Telegram Web
يحضرني هذه الأيام موقفان أثرا في نفسي أعظم التأثير، ليلة حزينة قضيتها مع واحد من أعز إخواني، كان يشغل قصيدةً تنعى حلب، ونحن نغالب الدمع، والآهات المزكومة تكسر حالة الصمت الحزين، وبعد ثمان سنوات، أخ عزيز آخر يقول لي "ها نحن مجددا"، يحذرني ونفسَه من الأمل العظيم الذي تعقبه خيبة، وكم كان نصيب جيلنا من هذا عظيما، يقول لي "خايف عليك"، يسألني كلما اتصل، "مع حلب صح؟"، ثم ينسى عقلانيته للحظة ويتغلّب عليه نداء القلب فيقول "إذا صار جديد خبرني"، الحمد لله على نعمة الأخ المشارك للهم، والحمد لله الذي ألهمنا الارتباط بالأمّة وموالاة المؤمنين، نسأل الله أن يرفع الغمّة عن الأمّة.
الجاهل بالشيء يعاديه، والذي لم يكلّف نفسه لعقد كامل من الزمن أن يبحث ويتثبت ويُحيِّن معارفه حول قضية ما، وبقي عالقا في صناديق واسطوانات عصر غابر؛ فمجادلتك له من إهدار الوقت الذي تُحاسَب عليه؛ ومخاصمتك له من العبث فهو مستحق للشفقة والدعاء في مواطن الاستجابة؛ فهوّن عليك واختصر النقاشات الفارغة، واحرص على ما ينفعك؛ فأنت مكلَّف بما فهمتَه لا بمن لم يفهم، والله يسهّل.
الاقتتال بين المسلمين قديم، ولم يكن دائما بسبب الفتنة والإملاء الخارجي؛ بل كان في مرات كثيرة ردا لبغاة وطردا لغزاة وإرغاما لأنوف طغاة..

= أحيانا الموقف السهل للرجال تسميتها فتنة دون تفصيل، وصبغها بالتآمر والإملاء دون تثبّت وتدليل، أما الموقف القرآني فيدعو للموقف الرجولي الحقيقي، وهو البحث عن "التي تبغي" [الحجرات 09] والأخذ بيدها حتى تفيء للحق، لا مجرد الاستعاذة من الفتن، ولا مجرد الاختباء خلف الأحكام المعلّبة الجاهزة، ومن هُنا لا تعجَب أن الله قال قبلها بآيَتين فقط "فتَبيَّنُوا"، وقالَ بعدها مباشرةً إنما المؤمنون إخوة إذا تحقَّقَ شرطُ: "فَإنْ فَاءَتْ"؛ أما الحديث عن مثاليات الأخوة مع بقاء المظالم على حالها وعدم السعي للانتصاف لأصحابها؛ فموقف آمِن بارد أقرب للجُبن النفسي إن كنتَ بعيدا، ويصير للجبن العمَلي إن كنت قريبا من الموقف؛ ثم يصير بك إلى موالاة الظلَمة والاستكانة لهم، ثم التبرير لهم، والله يسهّل.
هذا وزير داخلية سابق للعراق، ومستشار للأمن القومي حاليا في الحكومة العراقية، ذو منصب حكومي رفيع، يتحدث عن أحداث في دولة مجاورة (سوريا) بمنطق طائفي بحت..

وبشعار سبق أن كان مبررا لمئات المجازر، بحجة حماية عتبات ومقدسات الشيعة في سوريا، والبارحة تدخل أرتال من الميليشات الشيعية إلى سوريا، وغدا إذا أراد السوري تحرير أرضه من هؤلاء قيل له: تريد قطع خطوط الإمداد.
كانت طريقة حكم الأسد لسوريا أشبه بمدير الكازينو، أو ما يمكن أن نسميه "الكازينوقراطية" أو "حكم الكازينو"، حيث يوزع القطاعات والمصالح المختلفة للّاعبين الذين يلقون برهاناتهم بينما يدفعون له مقابل استمرار عمله:

الميناء على البحر المتوسط لروسيا، وطرق الإمداد -قواعد ونقاط ومستودعات- لإيران مقابل الحماية العسكرية للنظام، وتجميد جبهة الجولان وفتح الغطاء الجوي مقابل عدم المواجهة العسكرية لإسرائيل، ومن ورائها محاولات إنقاذ الاقتصاد والعودة إلى "الحضن العربي" من السعودية والإمارات مقابل وهم التباعد مع إيران أو وقف تصدير الكبتاغون، وحتى "مكافحة الإر..." لعيون أمريكا مقابل عدم "تغيير النظام" على الطريقة العراقية.

طبعا، وكما هو واضح، مدير الكازينو هذا لم يصبح مديرا يحصّل الرسوم من الفائز والخاسر على السواء لو لم يكن أيضا لاعبا محترفا وغشّاشا يملك أوراقا إضافية يخرجها إن تطلب الأمر: جوكر المقاتلين الأجانب أثناء حرب العراق، وجوكر الكبتاغون للضغط على الأردن والإمارات والسعودية، وجوكر المعلومات عن المستشارين الإيرانيين لإسرائيل ليضغط بها على إيران، وهكذا.

عبيدة غضبان.
فلسطين جزء من الأمّة، ليست هي الأمّة، وليست هي الإسلام، وليست هي التوبَة التي تجبُّ ما قبلها، وليست منشفة يمسح بها الغزاة نجسهم، ولا ستارة يغطي بها الطغاة عوارهم.
إن كانت فلسطين هي البوصلة لأنها جهاد فغزوات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي المنهج والبوصلة الكبرى، وإن كانت هي البوصلة بسبب خصمنا فيها -المُجمَع عليه-؛ فهذه غزوة خيبر مع الخصم ذاتِه؛ فتأمَّل:

في الحديث أن الصحابة تذاكروا من ارتقى منهم في خيبر؛ حتى ذكروا فلانا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كلَّا؛ "إنِّي رأيْتُه يُجَرُّ إلى النَّارِ في عَباءةٍ غَلَّها"؛ أي ليس شهيدا فقد أخذ شيئا من الغنائم قبل أن تقسم.

هذا رجل بين أفضل الرجال، ويعمل لأصدق قضية، ويناضل أسوأَ خصم، وينال أعلى خاتمة = مُعذَّبٌ يوم القيامة.
لأنه غلَّ عباءة، يا أنصار من سرق أعمار شباب وفتيات، وأبادَ قرى وضيعات، وأفسد معايش الناس، وأذلَّ خلق الله، وقهرَ الحرائر، ونهبَ بهجة الياسمين.
كل مدافع عن بشار الأسد، لا أراه غدا إلا ضاحكا على ألمي، راقصا على جرحي، ساخرا من مظلمتي، مسفها لتضحيتي، مستصغرا لعقلي أن يختار في أرضه وحقه ما يشاء، وكيف لا يفعل؟، أليس يفعلها الآن مع بشر مثلي، له تلك المظالم والجراح، ما يمنعه أن يصنع معي ما يصنع معه؟، هذا هو المخيف والمحزن في الأمر، إخواننا وجيراننا؛ لكننا ما عدنا نأمن أحدا على أنفسنا في حال ابتُلينا، فقد صارت بشار الأسد محلّ خلاف، تخيَّل؟، أبو البراميل والتعفيش والكبتاغون!!
اللهم أدم علينا العافية الكافية لنا أن نذل لأحد.
الحاصل في سوريا تدخل خارجي لإسقاط النظام المتكون من: الحشد الشعبي الشيعي والفصائل العراقية، لواء فاطميون الشيعي الأفغاني، لواء زينبيون الشيعي الباكستاني، الحرس الثوري الشيعي الإيراني، لواء صعدة الشيعي اليمني، وآخرون..

التدخل الخارجي تمشي مع السنّي فقط.
الحمد لله، بعد أكثر من أربعين عاما، حماة حرة، مات حافظ الأسد، وحماة باقية، حرة، أبية، حماة التي تربينا على قصتها، كبرنا نتجرع مظلمتها، زغردت اليوم، والعين على حُومص خيو.

لماذا الآن؟، اشتقنا الجبنة الحموية.
جاء أعرابي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دَينا، واشتدّ في الحديث، ولم يُحسِن؛ فانتهره الصحابة وعاتَبُوه، قائلين: "ويحَك أتدري من تُكلِّم؟"؛ فعاتَبَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا:

"هلَّا مع صاحِب الحق كنتُم".

وتجد اليوم أقواما يلومون طالبي حقوقهم والرجوع إلى منازلهم وضيعاتهم، ويقابلونهم بعبارات مثل: أتدري من فُلان، أتدري ما فعلت الدولة الفانية، أتدري ما صنع النظام الفُلاني، محور الممانعة، خطوط الإمداد..الخ

ما أعظم سيدي رسول الله وما أرحمَه، يقولون للرجل: ويحك ألا تدري أنه رسول الله؟؛ فيُرجعهم حبيبي للسياق الخاص، لمَحَلِّ النزاع، ومحلُّ النزاع في تلك اللحظة كان دعوى استرجاعِ حق؛ فجمعَ همَّهم ووجّه نظرهم للحق وضرورة استرجاعه ولطرح باقي السياقات جانبا والتركيز على السِّياق الخاص..

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّهُ لا قُدِّست أمَّةٌ لا يأخذُ الضَّعيفُ فيها حقَّهُ غيرَ متَعتَعٍ".
غيرَ متعتع: أخبر سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بارتفاع البركة عن الأمّة التي يُلزَم فيها ذو الحق بتبرير موقفه مُحرَجا متعرضا للعتاب والمجادَلة والمُساءَلَة.
ونقول ككل مرة، هذا دَين يسير؛ فكيف بالديار المنهوبة، والأموال والضياع المسلوبة، والتهجير، والإذلال، وسرقة حق الحياة الشريفة.
فهلَّا أرحتمونا من محفوظات المحوَر وخطوط الإمداد، ومع صاحب الحق كنتُم؟
الحمد لله وحده، نصر جنده وهزم الأحزاب وحده، رضي الله عن سيدنا معاوية، رضي الله عن سيدنا أبي بكر، رضي الله عن سيدنا عمر، رضي الله عن سيدنا خالد، رضي الله عن سيدتنا زينب، رحم الله الفاتحين من بني أميّة.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
تحرير عرضنا وشرفنا أخواتنا الماجدات..

أروه لكل شبيح منعدم الرجولة يدافع عن الطغاة.
فكيف بالله عليكم تكون فرحة فتح المسجد الأقصى؟، ونحن اليوم أكثر يقينا بأن جيلنا سيعيشُها، وأن ما يرونه بعيدا نراه قريبا، وما نراه عسيرا، بالله يكون يسيرا، اللهم اجعلنا من العاملين لها، اللهم اجعلنا من فاتحيه.
فلسطين قضية من قضايا المسلمين، الحرائر في السجون قضية من قضايا المسلمين، النهي عن منكر الاستبداد قضية من قضايا المسلمين، الأمر بمعروف استرجاع الحقوق وقضاء حوائج العباد وفكُّ كرباتهم قضية من قضايا المسلمين، قد علم كل أناس مشربهم، لا قضية تنسينا في الأخرى.
في هذا الصباح الحزين، دعني أُذكِّرك أيها الموالي للطاغية المخلوع، أن الثوار استغرقوا في فتح بوابات سجنٍ واحد أكثر مما استغرقوه في فتح دمشق كاملة، وما يزال آلاف السجناء في السراديب والأقبية السرية!!..

تخيل يا ذا القلب المريض أنهم يستنجدون بمساعدات دولية لفتح السجون فقط!!، تخيل يا إمّعة أن المواقع ضجت البارحة بآلاف الخرائط والشروح فقط لاكتشاف البوابات السرية ومداخل الأنفاق والحُفَر التي حُشِر فيها الناس..

تخيل يا باردَ الغيرة، أن أخواتك خرجن منها بأولاد لآباء شتى، وأن أطفالا ولدوا هناك، خرجوا بالغين عمرا، ضائعين نفسيا وعقليا، وأن من الناس من حسب حافظ الأسد ما يزال حيا، وآخر حسب أن الذي حررهم صدام حسين، وأخرى خشيت أن تخرج خيفة أن يكون امتحانا من سجانيها، وآخر خرج ليجد جنازته قد أقيمت منذ عشرين عاما..الخ

كالأنعام بل أنتم أضل.
الأقصى الذي يحرره بشار ومحوره، ليس هو الأقصى الذي نريده؛ لأن سراديبه ستصير سجونا، وساحاته ستُقلب مسالخ، ومآذنه ستصبح ألسنةَ تمجيد للطاغية لا ليُذكر بها اسم الله.

أشهد الله، أن بقاءه تحت عدو بيِّن نُجمِع عليه ويحيي فينا حمية المناضلة واسترداد المقدسات، أحب إلي من أن يحرره بشار، وأن يحكمه أمثال بشار، من الأعداء المستترين خلف أستار الشعارات، الساترين لألوان المخازي والبلايا وصنوف المظالم والخطايا، مع اختلاف الناس فيهم، واغترار أكثرهم بهم!..

يا أقصانا صبرا، جرحك الصريح أهون علينا من الطعنة المسمومة، وأن تطول طريقنا إليك وتكون صحيحة، أحبّ إلينا من أن نصل إليك عن طريق خطوط الإمداد الصيدناوية، والتدمرية، وأقبية الفروع الأمنية، وعلى ظهر المخفيين، وأجساد المغيَّبين، وأحلام المقهورين، وأرواح المغدورين.
من الإشارات الدقيقة التي نبهني لها أخي زكي، أن كل الجمال والدلال الشامي الذي فُتنّا به في الماضي، كان صادرا من ذلك المستنقع وذلك الكبت والتضييق..

فكيف بالله تكون الشام وماذا ستصنع بنا، وقد أُطلِقت طاقةُ أزهارها!!، تخيّلوا، أي جمال سيعمنا، وأي ذوق رفيع سيشملنا، وأي علم نافع سيبلغنا..الخ

سبحان من خلق الشام وأهله.
لكنني المرءُ مسكونٌ بأمَّته.
2025/02/28 11:07:38
Back to Top
HTML Embed Code: