Warning: Undefined array key 0 in /var/www/tgoop/function.php on line 65

Warning: Trying to access array offset on value of type null in /var/www/tgoop/function.php on line 65
- Telegram Web
Telegram Web
.
حين كنت فتى صغيرًا أحضر اللقاءات الدعوية وأجلس في مجالس العلم والوعظ، وألتحق بالدروس والمراكز الصيفية والمخيمات الدعوية؛ كان الشباب ممن يكبرنا سنًا يلقون فينا تلك المواعظ الإيمانية.
ولا تزال كلمات عايض القحطاني -ذلك الشاب الذكيّ الذي كان يدرس آنذاك أول ثانوي، وهو الآن مهندس كبير في شركة أرامكو- لا زالت كلماته تلجلج في ذهني، بنغمته المؤثرة، وهو يتحدث عن مأساة المسلمين في الأندلس، ويقص بعض خبر محاكم التفتيش التي نالت من إخواننا المسلمين في تلك البلاد منال بؤس!
لا زلت أذكره وهو يحيل على كتاب: (قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام، أبيدوا أهله)، وينقل عنه مقالات وأخبارًا.
وذهبتُ لأحصل على نسخة من الكتاب، ووجدت نسخة قديمة متفسخة الأوراق، لا أدري الآن من أين حصلت عليها، لكنني أدري بعد مرور ثلاثين عامًا على قراءتي لذلك الكتاب كم أبكتني كلماته، وأشجتني قصصه!
كان كتابًا من القطع الصغير، لمؤلفه (جلال عالم)!
ومكثت مدة طويلة أبحث عن هذا المؤلف الفاضل الذي أثرت فيّ كلماته، وهزتني أسطره، حتى علمت بعد أكثر من عشرين سنة أن هذا الاسم اسم قلمي للشيخ الأديب المؤرخ الدمشقي: عبد الودود بن يوسف الدمشقي، وأن هذا الشيخ من دعاة الشام وعلمائه، وبحثت عن سيرته وكتاباته، فوجدت أن له كتابات كثيرة في نصرة الإسلام والمسلمين، تنبض بالعزة، وتثير سواكن القلب، وتوقد حماسته الإيمانية.
رأيت من كتبه كتبًا ألفها لفتية الإسلام مثل: كتاب (حارثة) في عشرين جزءًا، و(حكايات عن القرآن)، في أكثر من عشرين جزءًا، وتفسير للقرآن سماه: تفسير المؤمنين، وألف كتابا جليلا سماه: (بناء الإسلام)، أكمل بعضه ولم ينتهِ منه.
وكان يعد أطروحة للدكتوراه عن (تاريخ حماة من خلال سجلات المحاكم الشرعية).
وكان لهذا العالم الكريم نشاط دعوي وعلمي عريض، مع غيرة إيمانية، وحماسة شاميّة، فاعتقله النظام العلماني النصيري بسوريّة في (أوائل 1980 بالتاريخ النصراني)، قبل مناقشة رسالته الدكتوراه.
وأُخفي منذ ذلك اليوم، فلا يُدرَى عنه خبر، ولم يثبت له حياة ولا موت، فلعله ممن رزق الشهادة في سجون العلمانية النصيرية، والله المستعان!


وقد انبهر المستشرق اليهودي البريطاني برنارد لويس، ودهش بأطروحة الشيخ عن (تاريخ حماة من خلال سجلات المحاكم الشرعية)، وأعجب بافتراع الشيخ لهذا المصدر في تدوين التاريخ وابتداعه هذه الطريق في توثيقه، وهذا المستشرق مهتم بتاريخ المسلمين المعاصر، ومن أكثر المستشرقين حنَقًا على الإسلام وأهله، وهو صاحب مشروع تقسيم بلاد المسلمين على العشائر، وله كتب مهمة في صياغة النظرة الغربية عن الإسلام والمسلمين، وهو ممن شحن كتبه وملأها بالفِرى على دين الله وحمَلَته، قاتله الله.
.
الحديث عن أمويّة دمشق، وعودة الشام للأمويين؛ له مقصدان:
- فإن كانت نسبة تاريخية، باعتبار اتخاذهم لها مقرًا وحكمًا فتلك نسبة صحيحة، وخبر تاريخي حق.

- وإن كانت نسبة فخر وتمدّح فهي نسبة قاصرة!
فالأمويون كغيرهم لهم وعليهم، وليسوا كلهم من خيار الأمة الذين يفتخر بالنسبة لهم، وإنما يفتخر بالنسبة للإسلام والسنة والإيمان.

فأما بنو أمية فكان منهم من هو من مفاخر الأمة كمعاوية رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز رحمه الله، ومنهم من كان دون ذلك، وهكذا حتى كان منهم من هو سفاك للدماء صاحب بطش وظلم وطغيان.
فلا يصح أن نقابل غلو الرافضة بغلو يقابله.
بل الواجب أن تكون النسبة لما هو محل المدح حقا، فتنسب الأرض للإسلام والسنة.

وكم يقع من الانحراف حين تُنْتحل عقائد ردود الأفعال!
وحين تكون مضادة الخصوم حاكمة للأقوال والمعتقدات دون غيرها من الأصول والضوابط التي تُبنى عليه الاعتقادات.
بل المؤمن المتّبع يتبع الحق ويرد على الباطل، وينخل أقوال خصومه لينقّي ما فيها من الحق، ويميزه عن الباطل.
فليست النسبة للفرس ذمًا للخصوم، ولا النسبة للأموين ممدحة لنا.
ولكن المدح باتباع السنة، والقدح بوصف العلمنة والطغيان والبدعة والرفض.

فإن قيل: ولكن النسبة للأمويين فيها نكاية بالرافضة وإغاظة لهم.
فيقال: نعمّا ما تصنع إذا أغظت الرافضي وكل بدعي، ولكن لا تنس أن من الناس من سيظن أن أهل السنة ينتسبون إلى يزيد بن معاوية، وأن أهل الأثر يمدحون صنائع عبد الملك بن مروان، وأن أهل الحديث لم يكونوا ينقدون مروان وأبناءه!

وهكذا كان، فلقد وجدت من يزيل كل ممدحة لأبي السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويثني على يزيد نكاية في الرافضة!
وهكذا سنرى من يذم آل البيت مناقضة للرافضة، وسنرى من يسب العترة مدافعة للشيعة.
ثم سنرى من أبنائنا من يتشيع ويغلو نكاية فيمن يفرط ويجفو.
وهكذا تنشأ البدع، ويفشو التبديل.
عصمني الله وإياكم.
.
تسمية "الهنود الحمر بالعرب للمبالغة في التحقير. ويروي وولتر من جامعة ولاية أورغن والمسؤول عن الأقلية العرقية في المجلس الوطني للعلاقات العائلية أن اسم عرب أميركا يطلق على الهنود الأميركيين في دروس العلاقات العرقية وفي أدبيات عدد من المنظمات الوطنية الأميركية.
كذلك يطلق عليهم اسم المسلمين الأميركيين.
وتسمية الهنود الحمر بالعرب في النهاية ليست جديدة، ففي دراسة عما يسمى بالهنود الخفاء أو اللامرئيين، تتحدث العالمة الأنثروبولوجية (Louise Heite)، وزوجها إدوارد عن الهنود الذين كان المستعمرون الأوروبيون يسمونهم باسم «المور»، لا سيما أولئك الذين نجوا من الإبادة وتم استيعابهم في المجتمع الأوروبي الاستعماري، أو الذين نجوا من المذابح على طول الشاطي الشرقي وعاشوا خارج المنعزلات الهندية، أو خارج التجمعات التي تعترف وزارة الداخلية الأميركية بهنديتها.
فكل هندي نجا من الإبادة ولم يعش في المنعزلات أنكرت الولايات المتحدة عليه هنديته وصارت تطلق عليه اسم مور - عربي أو مبغل كلمة مستمدة من تهجين البغال، أو زنجي.
وقوانين ولاية فرجينيا ماتزال إلى الآن تصف طفل الهندي الذي لا يعيش في المنعزلات بأنه مبغل.
والغريب أن بعض عملاء البيض ممن أثروا على حساب إبادة شعوبهم الهندية تمتعوا بصفة البيض فيما ظل آباؤهم أو أخوتهم أو أبناء عمومتهم تحت صنف الزنوج أو المبغلين".

كتاب: أمريكا والإبادات الجماعية، منير العكش (ص١٤٦)
الدعوة_السلفية_في_دمشق_قبل_سبعين_عامًا_241223_134749.pdf
167.8 KB
الدعوة السلفية في دمشق قبل سبعين عامًا.
• العلامة جمال الدين القاسمي الدمشقي، حين ذهب لبيت المقدس، عام ١٣٢١ هـ، وطلبوا منه درسًا هناك.
هذا وهو عالم معروف، له تأهل في العلم، وتقدم في التدريس، ومع ذلك يرعى قلبه، ويحذر على نفسه.
• من كتاب رحلته لبيت المقدس (ص ٦٤)
.
من رحمة الله بعباده أن وسّع لهم في وجوه البر، وفتح لهم أسباب الثواب، وجعل لهم من أبواب الأجور أبوابًا؛ حتى جعل لعباده أجرا فيما ليس لهم فيه نية! مع أن الأصل أن الأجر إنما يترتب على ما كان فيه للعبد نية.

ومن ذلك الثواب على المصيبة، فقد دلت الأدلة على أن المصيبة يكفّر بها عن العبد، فهذا ما لا إشكال فيه.
ولكن جاء ما قد يدل على أن العبد يثاب على المصيبة.
وجاء عن بعض الصحابة أنّ المصيبة لا يؤجر بها، ولكن يكفر بها عن العبد، كما ثبت عن أبي عبيدة، فيما رواه ابن أبي شيبة عن ﻋﻴﺎﺽ ﺑﻦ ﻏﻄﻴﻒ، قال: ﺩﺧﻠﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﺑﻲ ﻋﺒﻴﺪﺓ ﺑﻦ اﻟﺠﺮاﺡ ﻧﻌﻮﺩﻩ، ﻓﺈﺫا ﻭﺟﻬﻪ ﻣﻤﺎ ﻳﻠﻲ اﻟﺠﺪاﺭ، ﻭاﻣﺮﺃﺗﻪ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻋﻨﺪ ﺭﺃﺳﻪ، ﻗﻠﺖ: ﻛﻴﻒ ﺑﺎﺕ ﺃﺑﻮ ﻋﺒﻴﺪﺓ؟
ﻗﺎﻟﺖ: ﺑﺎﺕ ﺑﺄﺟﺮ!
ﻓﺄﻗﺒﻞ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺑﻮﺟﻬﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺇﻧﻲ ﻟﻢ ﺃﺑﺖ ﺑﺄﺟﺮ!
وقال: ألا تسألوني عما قلت؟
قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه!
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ابتلاه الله عز وجل، ببلاء في جسده فهو له حطّة».

وفي مصنف ابن أبي شيبة ﻋﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺷﺮﺣﺒﻴﻞ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ: "ﺇﻥ اﻟﻮﺟﻊ ﻻ ﻳﻜﺘﺐ ﺑﻪ اﻷﺟﺮ، ﻭﻟﻜﻦ ﻳﻜﻔﺮ ﺑﻪ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ".

وجاء ما قد يدل على خلاف ذلك عن ﻣﺠﺎﻫﺪ، في ابن أبي شيبة قال: "ﻳﻜﺘﺐ ﻣﻦ اﻟﻤﺮﻳﺾ ﻛﻞ ﺷﻲء، ﺣﺘﻰ ﺃﻧﻴﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺮﺿﻪ".

وقد ذكر ابن تيمية هذا الشأن، فقال: "ﻭاﻟﺪﻻﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻛﻔﺎﺭاﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﺇﺫا ﺻﺒﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﺛﻴﺐ ﻋﻠﻰ ﺻﺒﺮﻩ، ﻓﺎﻟﺜﻮاﺏ ﻭاﻟﺠﺰاء ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻤﻞ -ﻭﻫﻮ اﻟﺼﺒﺮ-، ﻭﺃﻣﺎ ﻧﻔﺲ اﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﻓﻬﻲ ﻣﻦ ﻓﻌﻞ اﻟﻠﻪ؛ ﻻ ﻣﻦ ﻓﻌﻞ اﻟﻌﺒﺪ ﻭﻫﻲ ﻣﻦ ﺟﺰاء اﻟﻠﻪ ﻟﻠﻌﺒﺪ ﻋﻠﻰ ﺫﻧﺒﻪ ﻭﺗﻜﻔﻴﺮﻩ ﺫﻧﺒﻪ ﺑﻬﺎ.. وذكر أثر أبي عبيدة، ثم قال: ﻭﻛﺜﻴﺮا ﻣﺎ ﻳﻔﻬﻢ ﻣﻦ الأجر ﻏﻔﺮاﻥ اﻟﺬﻧﻮﺏ ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺃﺟﺮ ﺑﻬﺬا اﻻﻋﺘﺒﺎﺭ".

وذكر ذلك ابن القيم، فقال: "الأﺟﺮ إﻧﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ الأﻋﻤﺎﻝ اﻻﺧﺘﻴﺎﺭﻳﺔ ﻭﻣﻤﺎ ﺗﻮﻟﺪ ﻣﻨﻬﺎ".

ولكن قد دلت أدلة أخرى أن العبد ربما كُتب له الثواب ولو بغير عمله.
كما في صحيح مسلم ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ، ﻗﺎﻟﺖ: ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻳﻘﻮﻝ: «ﻣﺎ ﻣﻦ ﺷﻲء ﻳﺼﻴﺐ اﻟﻤﺆﻣﻦ ﺣﺘﻰ اﻟﺸﻮﻛﺔ ﺗﺼﻴﺒﻪ، ﺇﻻ ﻛﺘﺐ اﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺑﻬﺎ ﺣﺴﻨﺔ ﺃﻭ ﺣﻄﺖ ﻋﻨﻪ ﺑﻬﺎ ﺧﻄﻴﺌﺔ».
وفي لفظ: «ﺇﻻ ﺭﻓﻌﻪ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﺩﺭﺟﺔ».
وفي لفظ: «ﺇﻻ ﻛﺘﺒﺖ ﻟﻪ ﺑﻬﺎ ﺩﺭﺟﺔ».

وأكثر دلالة على هذا الأصل، وهو من لطيف ما جاء في هذا، ما ثبت في صحيح مسلم ﻋﻦ ﺟﺎﺑﺮ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﷺ: «ﻣﺎ ﻣﻦ ﻣﺴﻠﻢ ﻳﻐﺮﺱ ﻏﺮﺳًﺎ ﺇﻻ ﻛﺎﻥ ﻣﺎ ﺃﻛﻞ ﻣﻨﻪ ﻟﻪ ﺻﺪﻗﺔ، ﻭﻣﺎ ﺳﺮﻕ ﻣﻨﻪ ﻟﻪ ﺻﺪﻗﺔ، ﻭﻣﺎ ﺃﻛﻞ اﻟﺴﺒﻊ ﻣﻨﻪ ﻓﻬﻮ ﻟﻪ ﺻﺪﻗﺔ، ﻭﻣﺎ ﺃﻛﻠﺖ اﻟﻄﻴﺮ ﻓﻬﻮ ﻟﻪ ﺻﺪﻗﺔ، ﻭﻻ ﻳﺮﺯﺅﻩ ﺃﺣﺪ ﺇﻻ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﺻﺪﻗﺔ».
وفي النسائي ﻋﻦ ﺟﺎﺑﺮ، ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: «ﻣﻦ ﺃﺣﻴﺎ ﺃﺭﺿﺎ ﻣﻴﺘﺔ، فله ﻓﻴﻬﺎ ﺃﺟﺮ، ﻭﻣﺎ ﺃﻛﻠﺖ اﻟﻌﻮاﻓﻲ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﻬﻮ ﻟﻪ ﺻﺪﻗﺔ».
فقد دلّ هذا الدليل على أجر المسلم إذا سرق منه، وهو دال على ثبوت الأجر بغير نية، ومثله ثبوت أجر القربات المهداة، فهي محل إجماع في البدنية، وقول جمع من السلف في المالية.
والله أعلم.
.
من يقول: تلك آخر جمعة في السنة فاجتهدوا فيها.
أو يقول: هذا آخر يوم فاختموه بخير.
أو يقول: هذا آخر يوم اثنين في العام فلنصمه، وغير ذلك مما هو من جنسها.
خلل من ثلاث جهات:
- أولًا: أن مثل ذلك لا يشرع ولو كان في ختام سنة هجرية إسلامية، فإن مثل ذلك ليس مما دلت عليه الأحاديث ولا الآثار.

- ثانيا: أن هذا التأريخ ليس للمسلم به علاقة، فاليوم لم تنتهِ سنته، ولم يختم عامه، بل هو في وسط سنته، وليس لهذا اليوم مزية توقيتيه في ذاته.

- ثالثًا: أن لكل شخص سنته الخاصة، التي تنتهي فيها أيام عامه باعتبار مولده.
والله المستعان.
.
في قوله تعالى: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّاهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾.

للعلماء مسلكان في ترتيب الآية في قصة تحويل القبلة:
هل ﺃﺧﺒﺮت ﻋﻨﻬﻢ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ يقولوا ﻫﺬا اﻟﻜﻼﻡ؟ أم أن الآية مقدمة في تلاوتها مؤخرة في نزولها، إذ تحدثت عن مقالة المبطلين بعد تحويل القبلة.

فعلى المسلك الأول، وأنها نزلت قبل وقوع ذلك منهم، لأنها استفتحت بقوله سبحانه: ﴿سَیَقُولُ﴾، أي في مستقبل الأمر؛ فعلى هذا المسلك هناك فائدة:
وهي ﺃن من منهج القرآن الإخبار بالشبهة وجوابها قبل وقوعها، لأن المسلم ﺇﺫا ﺃُﺧﺒﺮ ﻋﻦ جواب الشبهة والتهمة ﺃﻭﻻ ﺛﻢ سمعها؛ قلّ ﺗﺄﺫﻳﻪ منها، وتوطّنت نفسه لعلمه بالجواب قبل الحاجة، فيكون ﺃﻗﻄﻊ ﻟﻠﺨﺼﻢ ﻭﺃﻛﺴﺮ ﻟﺸﻮﻛﺘﻪ ﻭﺃﺭﺩّ ﻟﺸﻐﺒﻪ، بخلاف ﺇﺫا سمع الشبهة أولًا، وجاءت على غفلة منه فربما بهت وحزن.

وهذا أيضا ﻣﻦ ﺃﻋﻼﻡ اﻟﻨﺒﻮﺓ؛ ﻓﺈﻧﻪ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﻋﻤﺎ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻣﻦ اﻷﻋﺪاء.

وهذا الشأن معلوم في أحوال الناس، وفي الدراسات الحديثة، في باب المخاطر المتوقعة وغير المتوقعة، ولهذا يجري التدريب المعاصر على جعل المتدرب يعيش أجواء محاكية للواقع، ليكون ذا كفاءة عالية في استجابته للأمور المتوقعة، وذلك يكسبه معارف تضع في عقله عناوين ينتفع بها إذا احتاج لذلك.

وفي مباحث الاستعدادات النفسية في الأزمات والكوارث يقرر المختصون أن الذين لديهم تقييم للمخاطر المقبلة هم أكثر تقبلًا وسكينة عند وقوعها من الذين يفاجؤون بالصدمات والبلاءات، والله المستعان.
.
من منهج التزكية القرآني تربية القلوب على دوام الاستغفار حتى مع عظيم العمل، وذلك من مقتضى مقت النفس في ذات الله، التي يقول فيها ابن القيم رحمه الله: "ﻭﻣﻘﺖ اﻟﻨﻔﺲ ﻓﻰ ﺫاﺕ اﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺕ اﻟﺼﺪﻳﻘﻴﻦ، ﻭﻳﺪﻧﻮ اﻟﻌﺒﺪ ﺑﻪ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻰ ﻟﺤﻈﺔ ﻭاﺣﺪﺓ ﺃﺿﻌﺎﻑ ﺃﺿﻌﺎﻑ ﻣﺎ ﻳﺪﻧﻮ ﺑﻪ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ".
(إغاثة اللهفان ١/ ٨٧)

فتأمل قوله سبحانه في الثناء على المتقين أهل الجنة في أول آل عمران: ﴿ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ إِنَّنَاۤ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝ ٱلصَّـٰبِرِینَ وَٱلصَّـٰدِقِینَ وَٱلۡقَـٰنِتِینَ وَٱلۡمُنفِقِینَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِینَ بِٱلۡأَسۡحَارِ﴾
فقد وصفهم بأنّهم يدعون ربّهم بالمغفرة، ويسألون تكفير الذنب، وذكر أنّهم يتوسلون بإيمانهم به سبحانه، فقال: ﴿ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ إِنَّنَاۤ ءَامَنَّا﴾، وهذا توسل بالعمل الصالح.

ثم إنّه سبحانه وصفهم بالأوصاف الصالحة، واثنى عليهم بأعمالهم الطاهرة، فقال: ﴿ ٱلصَّـٰبِرِینَ وَٱلصَّـٰدِقِینَ وَٱلۡقَـٰنِتِینَ وَٱلۡمُنفِقِینَ﴾، فيندفع بذلك أن يُظنّ بهم أنهم من أهل التفريط، أو الجراءة على الله، فإنهم وإن ذكر الله عنهم سؤال مغفرة الذنوب، لكنهم من أهل الصبر والصدق والقنوت والنفقة!
ثم عاد السياق ليثني عليهم بالاستغفار في الأوقات الفاضلة، فقال: ﴿وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِینَ بِٱلۡأَسۡحَارِ﴾، وهذا مقتضٍ لصلاتهم الليل، وقيامهم بالسحر، كما جاء عن ابن مسعود أنه كان في اﻟﻤﺴﺠﺪ وﻳﻘﻮﻝ: "ﺭﺏ ﺃﻣﺮﺗﻨﻲ ﻓﺄﻃﻌﺘﻚ، ﻭﻫﺬا ﺳﺤﺮ ﻓﺎﻏﻔﺮ ﻟﻲ"، وجاء عن ابن عمر نحوه، وقال قتادة وغيره هي في المصلين بالأسحار.

فاجتمع في الآيتين ذكر عبادتهم واجتهادهم، مع ذكر خوفهم ومقتهم لأنفسهم.
.
قال سبحانه عن سليمان ﷺ لما سمع قول النملة:
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكࣰا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ وَعَلَىٰ وَ ٰ⁠لِدَیَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَـٰلِحࣰا تَرۡضَاهُ وَأَدۡخِلۡنِی بِرَحۡمَتِكَ فِی عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾.
في الآية من مقامات المؤمن مع النعم خمس مقامات:
١- الفرح بفضل الله ونعمته: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكࣰا﴾.
٢- والشكر له: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ﴾.
٣- العلم أنه لا يقوم بالشكر إلا بتوفيق الله ومدده: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ﴾.
٤- العلم بأن تمام شكر النعمة يكون بشكر النعمة على الوالدين: ﴿وَعَلَىٰ وَ ٰ⁠لِدَیَّ﴾.
٥- والشكر يكون بالعمل الصالح كما يكون باللسان: ﴿وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَـٰلِحࣰا تَرۡضَاه﴾.
والله أعلم.
.
قال تعالى: ﴿وَٱلۡقَوَ ٰ⁠عِدُ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ ٱلَّـٰتِی لَا یَرۡجُونَ نِكَاحࣰا فَلَیۡسَ عَلَیۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن یَضَعۡنَ ثِیَابَهُنَّ غَیۡرَ مُتَبَرِّجَـٰتِۭ بِزِینَةࣲۖ وَأَن یَسۡتَعۡفِفۡنَ خَیۡرࣱ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾
تأمل ختام الآية: ﴿وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾، لينبه المؤمنات ويحذرهن أن يتوسعن في الرخصة!
أو أن يجعلن منها ﺫﺭﻳﻌﺔ لما ليس يسوغ ﺷﺮﻋﺎ!
«اﻟﺴﻤﻴﻊ» ﻳﺴﻤﻊ ﻣﺎ ﺗﺤﺪﺛﻬﻦ ﺑﻪ ﺃﻧﻔﺴﻬﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﻘﺎﺻﺪ.
«اﻟﻌﻠﻴﻢ» ﻳﻌﻠﻢ ﺃﺣﻮاﻝ ﻭﺿﻌﻬﻦ اﻟﺜﻴﺎﺏ ﻭﺗﺒﺮﺟﻬﻦ ﻭﻧﺤﻮﻫﺎ.

فإذا وَسّعتْ لك الشريعة في أمر فتذكر أنّ الله يعلم ويسمع، فلا تجعل منه سببا للتفلت من الشرع!
.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
"القلب الطاهر المتقي -لكمال حياته ونوره وتخلّصه من الأدران والخبائث- لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي لم يُطهِّره الله، فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة، فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح".

(إغاثة اللهفان ١/ ٥٠)
.
قصاصة عن بعض ما يخفيه الغرب خلف أقنعة الإنسانية:
"إن الأسباب الإنسانية والمحافظة على الآثار العراقية التي شكلت حجة رسمية لتبرير تواجد ٣٠٠٠ جندي إيطالي ضمن قوات التحالف من خلال عملية (بابل القديمة) كانت ذريعة لحكومة برلوسكوني التي تسعى إلى ضمان إمدادات النفط الإيطالية..
يؤكد القائد الأسبق لشركة إيني بينيتو لي فيني، أن هذه الشركة النفطية (مع الشركة الإسبانية ريبسول) قد حصلت عام ١٩٩٧ على موافقة صدام حسين والإدارة العراقية للتنقيب في حقول نفطية مهمة في منطقة الناصرية، التي تقدر احتياطاتها ما بين: ٢٥، و٤ مليار برميل من النفط الخام.
والغريب أنه في هذه المنطقة تحديداً تم تكليف القوات الإيطالية، وهي تتولى حراسة أنابيب النفط والمصافي المحلية".
الجغرافيا السياسية للبترول، فيليب سيبيل (٨٧).
.
قال ابن القيم: "علو الهمة ألا تقف دون الله!
ولا تتعوّض عنه بشيء!
ولا ترضى بغيره بدلًا!
ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج له بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية".
مدارج السالكين (٣/ ١٦٣).
.

بين الدكتور عادل سليمان والعلامة محمود شاكر
-الشيخ المربي والتلميذ الوفي-

.
بالأمس نفض الناس أيديهم من دفن علم من أعلام المسلمين، وعالم من علماء العربية، وأستاذ من أساتذة الأدب الكبار، ممن لقي الكبار، وتلمذ عليهم.

فهو تلميذ لكبار العلماء في عصره كالعلامة عبد السلام هارون والعلامة أبي الفضل إبراهيم والأستاذ السيد صقر والأستاذ حسن كامل الصيرفي والدكتور حسين نصار.

لقد عرف هذا الفتى الصعيدي طريق المخطوطات والنظر فيها، وتقليبها، وهو صغير لم يطر شاربه بعد، حين ذهب إلى دار الكتب المصرية وهو في دراسة الثانوية، ثم عرف طريق قاعة المخطوطات بالدار، ودخلها كما يصف حاله: "مُسْتَشْعِرا وَجَلًا، فأطللت برأسي أدير عيني في جنباتها، فوقعت في تجوالهما على وجه بشوش كأنه يدعوني إلى الدخول، فدخلت!
سألني عما أريد!
فأجبت بأنني طالب في السنة الأولى من دراستي الجامعية.. وأننى مُحِبّ للأدب عاشق وله وامق.. وسمعت أساتذتي يقولون: إن كثيرا من آثار أسلافنا مازال مخطوطا، فاشتقت أن أرى بعض هذه المخطوطات وأطالعها!
فابتسم الرجل في إشفاق! وكأنّ لسان حاله يقول: ما بال هذا الصبي ذي الستة عشر عاما والمخطوطات، ولكني توسمت في عينيه شيئا من الإعجاب يمازج الإشفاق!
أجلسني في مكان قريب من مكتبه ، وغاب لحظة ثم عاد وهو يحمل مخطوطا كما تحمل الأم رضيعها، ووضعه أمامي برفق، ثم قلب صفحاته بحذر وتؤدة، فكان هذا أول درس لي في التعامل مع المخطوط! أوحاه إلي ولم يلفظ به!
وتتابعت الدروس مع مرور الشهور حتى علمت.. من أنواع الورق وأصناف الأخبار وأشكال الخطوط وأزمنة ظهورها واستعمالها وتطورها، وما كتب بخط المؤلف، وما على النسخة من سماع أو قراءة، أو إجازة، أو تملك!
كان ذلك المخطوط هو الحماسة البصرية! وكان الرجل ذو الوجه البشوش هو الأستاذ فؤاد سيد رحمه الله وغفر له!".

وهذا هو الأستاذ الدكتور عادل بن سليمان بن جمال، أحد كبار طلاب شيخ شيوخنا العلامة محمود شاكر.
هذا العلامة الذي ظل الناس إذا ترجموا لمن بعده نسبوه له بوجه من النسبة!
فهذا طالب من طلاب محمود شاكر، وهذا من أخص أصحاب محمود شاكر، وذاك من خصوم شاكر! وهكذا صار العلامة -رحمة الله عليه- لسان الميزان! الذي يشار إلى الناس من خلاله، كأنه لم يكن في زمنه سواه!

وهذا الفاضل المحقق، عادل بن سليمان فقد كان من أخص طلاب العلامة محمود شاكر، وكان ملازمًا له عشرات السنين، لا يكاد يفارقه.

وقد ذكر الدكتور عادل في مقدمة الجمهرة قصة لقائه الأول بأستاذه شاكر فقال:
"قابلت الأستاذ شاكر -رحمه الله- أول مرة عام ١٩٥٨، وأنا بعد طالب في السنة الثالثة من دراستي الجامعية...
وعلى فارق ما بيننا من السن والعلم فقد وجد شيئا مني ينسرب في نفسه، وأنست أنا به كما أنس هو بالرافعي!
ولزمت داره كل يوم تقريبا منذ مطلع الشمس حتى منتصف الليل!
أقرأ مقالاته في الرسالة وسائر المجلات والصحف بعد أن أنتهى من عملي فى رسالة الماجستير، ومضت السنون وعرفت عن الأستاذ شاكر ما لم أكن أعرف، وكنت شابا طُلعة، وكان هو شيخًا طويل الصمت، قارّ النفس، يرمى بعينيه وراء الحجب!
ولكني كنت أحس أحيانا أن صدره يضيق بما يكتم! فقد كان يخيم علينا صمت ثقيل بعد أن نصلي المغرب ونجلس في شرفة منزله نحتسي الشاي، فإذا أنست أني مخرج منه بعض ما أريد، أبديت رأيا أو تعليقا على بعض ماجاء في المقالات من أحداث أو رجال سماهم، أو أشار إليهم ولم يسمهم، وتمضي الدقائق وكأنها ساعات!
وإني لأشعر خلال ذلك بهذا الصراع المخيف بين إلحاح ما ألف وصلابة الأغلاق التي يضربها على ضمير نفسه! وعناده الذي يأبى عليه الكلام عن نفسه! وبين إلحاح هذا الهم الجاثم على صدره يريد أن يجد له مسربا! فقد كان الأستاذ شاكر رحمه الله، قاسيا عنيفا، ولكنه كان رقيقا ألوفا أيضا!
وكان جلدا صبورا، ولكنه ربما تخشع واستكان للجزع، وكان مستوحشا أبدا، ولكنه ربما ألف وانقاد، وكان كالطود رسوخًا وشموخًا، ولكني كنت أنفذ إليه أحيانا - عندما أنس في نفسه هذا الصراع بين القوتين - فأجد الزلزلة في قلبه، والاضطراب في نفسه، والتهدج في صوته"!

وقد كان الدكتور عادل يريد جمع مقالات العلامة في حياته، وراوده في ذلك أشد المراودة، وذكر خبر ذلك في مواطن، ولكن الأجل كان أسبق، والموت كان أعجل، فمات العلامة قبل خروج جمهرة مقالاته، رحمة الله على الجميع.

وأنت فإنك إن قرأت للدكتور عادل فإنك ستجد العلامة محمود بن شاكر حاضرًا في كتاباته كأشد ما يكون حضور شيخ في كتابة تلميذ!
لا يخلي كتابًا أو مقدمة أو بحثًا عن ذكر طري عطر لأستاذه الكبير.

وهكذا تجد الشيخ يتراءى في قلم التلميذ، تجد أثره وحديثه وتأديبه ولومه وعنفه ورقته ولينه ولطفه، في سطور تلميذه البار!
=
=
فلما كتب عادل سليمان عن (ديوان حاتم) قال في مقدمته بعد كلام طويل عن علاقته بشعر حاتم ومخطوطاته، حتى أفضى به القول إلى أن كتب:
"أما بعد:
فإن للأستاذ العلامة محمود شاكر فضلا لا تحيط به کلمات شكر، لا على هذا الديوان فحسب، بل على سابق أعمالي كلها!
فقد تعهدني دائما برعايته وتشجيعه، وأفاض عليّ من علمه، وقدّم لي كل ما تطيقه أريحية عالم يؤمن أن زكاة العلم نشره، جزاه الله سابغ الخير، وأمتعه بالصحة والعافية وطول السلامة والبقاء".

وفي كتابه عن شعر العلامة محمود شاكر (اعصفي يا رياح)، في الصفحة الثامنة يقول:
"رحمك الله يا أبا فهر، فلم يقدرك الناس حق قدرك إلا بأخرة من حياتك.
ولعلك راض بعض الرضى بما تشمّر له تلامذتك ومحبوك ومن أدركوا أنهم فقدوا عالما لم ير مثله منذ عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب!
فانكبوا على ما تركت من آثار بالبحث والتنقير حتى يردوا بعض فضلك على أجيال مضت وأخرى آتية حتى آخر الزمان.
ورحم الله المتنبي الذي عشقته حين قال -وكأنه يقول ذلك فيك اعترافًا بفضلك عليه -:
فَلَقَدْ عُرِفْتَ وما عُرِفْتَ حقيقة
ولَقَدْ جَهِلْتَ وَمَا جُهِلْتَ خُمولا!"

وكتب الدكتور عادل في (الحماسة البصرية) يذكر شيخه إذا هاجت عاصفة غضبه العلمي، وثارت ثوائر غيرته الأدبية على أبنائه وطلابه فيقول:
"لما انتهيت من عملي في كتاب المنتخب عام ١٩٩٤ أزمعت نشر شعر الأعشى الكبير، فعندي مخطوطتان أولاهما من المكتبة المتوكلية بصنعاء بعنوان كتاب الموجود من شعر الأعشى، وثانيتهما من الهند بعنوان شعر الأعشى، وفيهما قصائد كثيرة جدا لم ترد في رواية ثعلب التي نشرها (جاير)، ولكن شيخي العلامة محمود محمد شاكر -رحمه الله وطيب ثراه- انتهرني وعنفني!
ورأى أنه من فساد الرأي وخطله أن أهمل الحماسة البصرية وأسقطها من حسابي، وكيف يستقيم ذلك وقد أضفت إليها ما أضفت خلال عشرين عاما، وتعاورني هو وأخي محمد الخانجي باللوم تارة وبالتشجيع تارة أخرى حتى قبلت…
ويخرج الكتاب أيضا في غيبة أبد الحياة الدنيا للرجل الذي حثني على إخراج الكتاب ، والذي لزمته ما يقرب من أربعين عاما".

وينقل الدكتور عادل عن العلامة محمود شاكر في (جمهرة مقالاته):
"رحمة الله عليك يا أبا فهر ، رحمة الله عليك! قلب الأمة الإسلامية المتوثب ، وعينها الساهرة، وحصنها الحصين!
فإن تكن قد ذهبت إلى ربك راضيا مَرْضِيًّا، ففي قلب هذه الأمة تعيش روحك الخالدة التي لا تفنى، وفي قلب هذه الأمة يُحفر قبرك الذي لا يُنسى!

رحمة الله على الدكتور عادل، كلما استفادنا منه، ورحمة الله عليه كلما ذكرناه، ورحمة الله عليه كلما أذكرنا مشايخ العلم والأدب.
ورحمة الله على شيخ شيوخنا العلامة محمود شاكر، وجمعنا الله به في جنات النعيم.
.
من الفوائد التيمية الجليلة، التي تحدث فيها ابن تيمية عن سبب خفاء بعض العلم على بعض الناس، فقال:
(ﻭﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺳﺒﺒﻪ ﻣﺎ ﺣﺪﺙ ﻣﻦ اﻟﺬﻧﻮﺏ ﻛﻣﺎ ﻗﺎﻝ ﷺ: «ﺧﺮﺟﺖ ﻷﺧﺒﺮﻛﻢ ﺑﻠﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ﻓﺘﻼﺣﻰ ﺭﺟﻼﻥ ﻓﺮﻓﻌﺖ ﻭﻟﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﻴﺮا ﻟﻜﻢ».
ﺃﻱ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﺧﻔﺎﺅﻫﺎ ﺧﻴﺮا ﻟﻜﻢ ﻟﺘﺠﺘﻬﺪﻭا ﻓﻲ ﻟﻴﺎﻟﻲ اﻟﻌﺸﺮ ﻛﻠﻬﺎ؛ ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﺧﻔﺎء ﺑﻌﺾ اﻷﻣﻮﺭ ﺭﺣﻤﺔ ﻟﺒﻌﺾ اﻟﻨﺎﺱ.
ﻭاﻟﻨﺰاﻉ ﻓﻲ اﻷﺣﻜﺎﻡ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺣﻤﺔ ﺇﺫا ﻟﻢ ﻳﻔﺾ ﺇﻟﻰ ﺷﺮ ﻋﻈﻴﻢ ﻣﻦ ﺧﻔﺎء اﻟﺤﻜﻢ؛ ﻭﻟﻬﺬا ﺻﻨﻒ ﺭﺟﻞ ﻛﺘﺎﺑﺎ سماه "ﻛﺘﺎﺏ اﻻﺧﺘﻼﻑ"! ﻓﻘﺎﻝ ﺃﺣﻤﺪ: ﺳﻤﻪ "ﻛﺘﺎﺏ اﻟﺴﻌﺔ"! ﻭﺇﻥ اﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻷﻣﺮ ﻭاﺣﺪ.
ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﺑﺒﻌﺾ اﻟﻨﺎﺱ ﺧﻔﺎﺅﻩ لما ﻓﻲ ﻇﻬﻮﺭﻩ ﻣﻦ اﻟﺸﺪﺓ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ﻻ ﺗﺴﺄﻟﻮا ﻋﻦ ﺃﺷﻴﺎء ﺇﻥ ﺗﺒﺪ ﻟﻜﻢ ﺗﺴﺆﻛﻢ﴾.
ﻭﻫﻜﺬا ﻣﺎ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ اﻷﺳﻮاﻕ ﻣﻦ اﻟﻄﻌﺎﻡ ﻭاﻟﺜﻴﺎﺏ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻷﻣﺮ ﻣﻐﺼﻮﺑﺎ؛ ﻓﺈﺫا ﻟﻢ ﻳﻌﻠﻢ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺬﻟﻚ ﻛﺎﻥ ﻛﻠﻪ ﻟﻪ ﺣﻼﻻ ﻻ ﺇﺛﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻴﻪ ﺑﺤﺎﻝ!
ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﺇﺫا ﻋﻠﻢ ﻓﺨﻔﺎء اﻟﻌﻠﻢ بما ﻳﻮﺟﺐ اﻟﺸﺪﺓ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺣﻤﺔ!
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺧﻔﺎء اﻟﻌﻠﻢ ﺑﻤﺎ ﻳﻮﺟﺐ اﻟﺮﺧﺼﺔ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻘﻮﺑﺔ! ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺭﻓﻊ اﻟﺸﻚ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺣﻤﺔ ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻘﻮﺑﺔ).

مجموع الفتاوى (١٤/ ١٥٩)
.
مما تعلمنا سورة الكهف:
ما جاء في قوله ﷻ: ﴿وَٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدࣰا﴾.

ففي وسط تهويشات كفار قريش، وتشكيكات المبطلين بأحداث فتية الكهف، يأمر نبيه ﷺ بتلاوة الوحي فحسب، والمضاء دون التفات للتهويشات والتشويشات.

ونبهه ربّه إلى أمرين:
١) أن الحق ماض، والكتاب عزيز، والشريعة باقية لا مبدل لها، ولا مغير.
٢) ثم نبه أن من حرّف أو بدّل أو غيّر فلا يضر إلا نفسه، ولن يجد له ناصرًا ولا معينًا.

وهي موعظة لكل من تؤلمه اعتراضات أهل الباطل، وإرجافهم وبغيهم:
اثبت على الحق، فالحق باق لن يبدل
واحذر التبديل، فمن بدل فإنما يضر نفسه.
.
وتعلّمنا سورة الكهف:
أنَّ المؤمن يبتلى ليُمتحن صبره، وشكره:
• فقصة أهل الكهف قصة الابتلاء لاختبار الصبر.
• وقصة صاحب الجنتين مثال الابتلاء لاختبار الشكر.
• وقصة موسى مع الخضر كانت قصة من قصص اختبار الصبر.
• وقصة ذي القرنين، كانت قصة من قصص ابتلاء الشكر.
.
وتعلمنا سورة الكهف:
أن من أقبل على ﷲ أقبل ﷲ عليه، ﴿نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى﴾.
فمن لم تغره الدنيا وفتنتها وأقبل على ﷲ آتاه الله كل خير.
فتأمل: أن الله ذكر أنهم آمنوا فزادهم الله من فضله.
2025/02/28 04:42:32
Back to Top
HTML Embed Code: