tgoop.com/tabtabayy/994
Last Update:
.
قوله تعالى: ﴿إنما توعدون لواقع﴾ جواب القسم، وما موصولة والخطاب لعامة البشر، والمراد بما توعدون يوم القيامة بما فيه من العقاب والثواب والواقع أبلغ من الكائن لما فيه من شائبة الاستقرار، والمعنى أن الذي وعدكم الله به من البعث والعقاب والثواب سيتحقق لا محالة.
كلام في إقسامه تعالى في القرآن من لطيف صنعة البيان في هذه الآيات الست أنها مع ما تتضمن الإقسام لتأكيد الخبر الذي في الجواب تتضمن الحجة على مضمون الجواب وهو وقوع الجزاء الموعود فإن التدبير الربوبي الذي يشير إليه القسم أعني إرسال المرسلات العاصفات ونشرها الصحف وفرقها وإلقاءها الذكر للنبي تدبير لا يتم إلا مع وجود التكليف الإلهي والتكليف لا يتم إلا مع تحتم وجود يوم معد للجزاء يجازى فيه العاصي والمطيع من المكلفين.
فالذي أقسم تعالى به من التدبير لتأكيد وقوع الجزاء الموعود هو بعينه حجة على وقوعه كأنه قيل: أقسم بهذه الحجة أن مدلولها واقع.
وإذا تأملت الموارد التي أورد فيها القسم في كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت المقسم به فيها حجة دالة على حقية الجواب كقوله تعالى في الرزق: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق﴾ الذاريات: 23 فإن ربوبية السماء والأرض هي المبدأ لرزق المرزوقين، وقوله: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ الحجر: 72 فإن حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرة المصونة بعصمة من الله دالة على سكرهم وعمههم، وقوله: ﴿والشمس وضحاها - إلى أن قال - ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ الشمس: 10 فإن هذا النظام المتقن المنتهي إلى النفس الملهمة المميزة لفجورها وتقواها هو الدليل على فلاح من زكاها وخيبة من دساها.
وعلى هذا النسق سائر ما ورد من القسم في كلامه تعالى وإن كان بعضها لا يخلو من خفاء يحوج إلى إمعان من النظر كقوله: ﴿والتين والزيتون وطور سينين﴾ التين: 2 وعليك بالتدبر فيها.
قوله تعالى: ﴿فإذا النجوم طمست - إلى قوله - أقتت﴾ بيان لليوم الموعود الذي أخبر بوقوعه في قوله: ﴿إنما توعدون لواقع﴾ وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله: ﴿لأي يوم أجلت - إلى قوله - للمكذبين﴾.
وقد عرف سبحانه اليوم الموعود بذكر حوادث واقعة تلازم انقراض العالم الإنساني وانقطاع النظام الدنيوي كانطماس النجوم وانشقاق الأرض واندكاك الجبال وتحول النظام إلى نظام آخر يغايره، وقد تكرر ذلك في كثير من السور القرآنية وخاصة السور القصار كسورة النبأ والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والفجر والزلزال والقارعة، وغيرها، وقد عدت الأمور المذكورة فيها في الأخبار من أشراط الساعة.
ومن المعلوم بالضرورة من بيانات الكتاب والسنة أن نظام الحياة في جميع شئونها في الآخرة غير نظامها في الدنيا فالدار الآخرة دار أبدية فيها محض السعادة لساكنيها لهم فيها ما يشاءون أو محض الشقاء وليس لهم فيها إلا ما يكرهون والدار الدنيا دار فناء وزوال لا يحكم فيها إلا الأسباب والعوامل الخارجية الظاهرية مخلوط فيها الموت بالحياة، والفقدان بالوجدان، والشقاء بالسعادة، والتعب بالراحة، والمساءة بالسرور، والآخرة دار جزاء ولا عمل والدنيا دار عمل ولا جزاء، وبالجملة النشأة غير النشأة.
فتعريفه تعالى نشأة البعث والجزاء بأشراطها التي فيها انطواء بساط الدنيا بخراب بنيان أرضها وانتساف جبالها وانشقاق سمائها وانطماس نجومها إلى غير ذلك من قبيل تحديد نشأة بسقوط النظام الحاكم في نشأة أخرى قال تعالى: ﴿ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون﴾ الواقعة: 62.
فقوله: ﴿فإذا النجوم طمست﴾ أي محي أثرها من النور وغيره، والطمس إزالة الأثر بالمحو قال تعالى: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ التكوير: 2.
وقوله: ﴿وإذا السماء فرجت﴾ أي انشقت، والفرج والفرجة الشق بين الشيئين قال تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ الانشقاق: 1.
وقوله: ﴿وإذا الجبال نسفت﴾ أي قلعت وأزيلت من قولهم: نسفت الريح الشيء أي اقتلعته وأزالته قال تعالى: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا﴾ طه: 105.
وقوله: ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم أو بلغت الوقت الذي تنتظره لأداء شهادتها على الأمم من التأقيت بمعنى التوقيت، قال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ الأعراف: 6، وقال: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم﴾ المائدة: 109.
قوله تعالى: ﴿لأي يوم أجلت -إلى قوله- للمكذبين﴾ الأجل المدة المضروبة للشيء، والتأجيل جعل الأجل للشيء، ويستعمل في لازمه وهو التأخير كقولهم: دين مؤجل أي له مدة بخلاف الحال وهذا المعنى هو الأنسب للآية، والضمير في ﴿أجلت﴾ للأمور المذكورة قبلا من طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتأقيت الرسل، والمعنى لأي يوم أخرت يوم أخرت هذه الأمور.
BY تفسير القرآن الكريم♡♡ تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي
Share with your friend now:
tgoop.com/tabtabayy/994