مستدرك الحاكم ونقول التعليل عن الأئمة
روى الحاكم في «المستدرك» من طريق: «الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، حدثني أبو أسماء، حدثني ثوبان قال: خرجت مع رسول الله ﷺ لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فلما كان بالبقيع نظر رسول الله ﷺ إلى رجل يحتجم، فقال رسول الله ﷺ: «أفطر الحاجم، والمحجوم».
قد أقام الأوزاعي هذا الإسناد فجوده، ويين سماع كل واحد من الرواة من صاحبه.
وتابعه على ذلك شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي وكلهم ثقات، فإذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
أما حديث شيبان..».
-ثم رواه من طريق الإمام أحمد ثم قال-: «قال أحمد بن حنبل: هو أصح ما روي في هذا الباب».
ثم قال: «وأما حديث هشام الدستوائي..» -ثم ساقه ثم قال:- «فهذه الأسانيد المبين فيها سماع الرواة الذين هم ناقلوها، والثقات الأثبات، لا تعلل بخلاف يكون فيه بين المجروحين على أبي قلابة وغيره فيه، وعند يحيى بن أبي كثير فيه إسناد آخر صحيح على شرط الشيخين..».
-ثم ساق الحديث من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير من عدة طرق منها عن ابن خزيمة ثم نقل عنه-: «قال أبو بكر محمد بن إسحاق في حديثه، سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: سمعت علي بن المديني يقول: لا أعلم في الحاجم، والمحجوم حديثا أصح من هذا».
ثم قال: «تابعه معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير..» ثم ساقه ثم قال:
«فليعلم طالب هذا العلم أن الإسنادين ليحيى بن أبي كثير قد حكم لأحدهما أحمد بن حنبل بالصحة، وحكم علي بن المديني للآخر بالصحة، فلا يعلل أحدهما بالآخر، وقد حكم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي لحديث شداد بن أوس بالصحة».
ثم روى حديث شداد بن أوس من طريق إسحاق بن راهوية الحنظلي ثم قال: «فسمعت محمد بن صالح، يقول: سمعت أحمد بن سلمة، يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة، وهذا الحديث قد صح بأسانيد، وبه نقول.
فرضي الله عن إمامنا أبي يعقوب، فقد حكم بالصحة لحديث ظاهر صحته وقال به.
وقد اتفق الثوري وشعبة على روايته، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة هكذا.
أما حديث الثوري:..».
ثم ساقه ثم ساق حديث شعبة، ثم قال:
«حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرائيني، ثنا محمد بن أحمد بن البراء، ثنا علي بن المديني، قال: حديث شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلا يحتجم في رمضان.
رواه عاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث.
ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.
ولا أرى الحديثين إلا صحيحين، فقد يمكن أن يكون سمعه منهما جميعا».
ثم قال: «فأما رخصة الحجامة للصائم فقد أخرجه محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح كما حدثناه..» ثم رواه.. ثم قال:
«فاسمع الآن كلام إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة على هذا الحديث ليستدل به على أرشد الصواب.
سمعت أبا بكر بن جعفر المزكي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: قد ثبتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
فقال بعض من خالفنا في هذه المسألة: إن الحجامة لا تفطر الصائم، واحتج بأن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم.
وهذا الخبر غير دال على أن الحجامة لا تفطر الصائم، لأن النبي ﷺ إنما احتجم وهو صائم محرم في سفر لا في حضر، لأنه لم يكن قط محرما مقيما ببلده، إنما كان محرما وهو مسافر، والمسافر وإن كان ناويا للصوم، وقد مضى عليه بعض النهار وهو صائم عن الأكل والشرب، وإن كان الأكل والشرب يفطرانه، لا كما توهم بعض العلماء أن المسافر إذا دخل في الصوم لم يكن له أن يفطر إلى أن يتم صومه ذلك اليوم الذي دخل فيه، فإذا كان له أن يأكل ويشرب وقد دخل في الصوم ونواه، ومضى بعض النهار وهو صائم، جاز له أن يحتجم، وهو مسافر في بعض نهار الصوم، وإن كانت الحجامة تفطره».
ثم روى من طريق أبي رافع قال: «دخلنا على أبي موسى وهو يحتجم بعد المغرب، فقلت: ألا احتجمت نهارا؟ فقال: تأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم».
سمعت أبا علي الحافظ يقول: قلت لعبدان الأهوازي: صح أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم؟
فقال: سمعت عباسا العنبري يقول: سمعت علي بن المديني يقول: قد صح حديث أبي رافع، عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة بأسانيد مستقيمة مما يطول شرحه في هذا الموضع.
سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد العنزي يقول: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد صح عندي حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم». لحديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به، وسمعت أحمد بن حنبل يقول به، ويذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد».
روى الحاكم في «المستدرك» من طريق: «الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، حدثني أبو أسماء، حدثني ثوبان قال: خرجت مع رسول الله ﷺ لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فلما كان بالبقيع نظر رسول الله ﷺ إلى رجل يحتجم، فقال رسول الله ﷺ: «أفطر الحاجم، والمحجوم».
قد أقام الأوزاعي هذا الإسناد فجوده، ويين سماع كل واحد من الرواة من صاحبه.
وتابعه على ذلك شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي وكلهم ثقات، فإذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
أما حديث شيبان..».
-ثم رواه من طريق الإمام أحمد ثم قال-: «قال أحمد بن حنبل: هو أصح ما روي في هذا الباب».
ثم قال: «وأما حديث هشام الدستوائي..» -ثم ساقه ثم قال:- «فهذه الأسانيد المبين فيها سماع الرواة الذين هم ناقلوها، والثقات الأثبات، لا تعلل بخلاف يكون فيه بين المجروحين على أبي قلابة وغيره فيه، وعند يحيى بن أبي كثير فيه إسناد آخر صحيح على شرط الشيخين..».
-ثم ساق الحديث من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير من عدة طرق منها عن ابن خزيمة ثم نقل عنه-: «قال أبو بكر محمد بن إسحاق في حديثه، سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: سمعت علي بن المديني يقول: لا أعلم في الحاجم، والمحجوم حديثا أصح من هذا».
ثم قال: «تابعه معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير..» ثم ساقه ثم قال:
«فليعلم طالب هذا العلم أن الإسنادين ليحيى بن أبي كثير قد حكم لأحدهما أحمد بن حنبل بالصحة، وحكم علي بن المديني للآخر بالصحة، فلا يعلل أحدهما بالآخر، وقد حكم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي لحديث شداد بن أوس بالصحة».
ثم روى حديث شداد بن أوس من طريق إسحاق بن راهوية الحنظلي ثم قال: «فسمعت محمد بن صالح، يقول: سمعت أحمد بن سلمة، يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة، وهذا الحديث قد صح بأسانيد، وبه نقول.
فرضي الله عن إمامنا أبي يعقوب، فقد حكم بالصحة لحديث ظاهر صحته وقال به.
وقد اتفق الثوري وشعبة على روايته، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة هكذا.
أما حديث الثوري:..».
ثم ساقه ثم ساق حديث شعبة، ثم قال:
«حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرائيني، ثنا محمد بن أحمد بن البراء، ثنا علي بن المديني، قال: حديث شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلا يحتجم في رمضان.
رواه عاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث.
ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.
ولا أرى الحديثين إلا صحيحين، فقد يمكن أن يكون سمعه منهما جميعا».
ثم قال: «فأما رخصة الحجامة للصائم فقد أخرجه محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح كما حدثناه..» ثم رواه.. ثم قال:
«فاسمع الآن كلام إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة على هذا الحديث ليستدل به على أرشد الصواب.
سمعت أبا بكر بن جعفر المزكي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: قد ثبتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
فقال بعض من خالفنا في هذه المسألة: إن الحجامة لا تفطر الصائم، واحتج بأن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم.
وهذا الخبر غير دال على أن الحجامة لا تفطر الصائم، لأن النبي ﷺ إنما احتجم وهو صائم محرم في سفر لا في حضر، لأنه لم يكن قط محرما مقيما ببلده، إنما كان محرما وهو مسافر، والمسافر وإن كان ناويا للصوم، وقد مضى عليه بعض النهار وهو صائم عن الأكل والشرب، وإن كان الأكل والشرب يفطرانه، لا كما توهم بعض العلماء أن المسافر إذا دخل في الصوم لم يكن له أن يفطر إلى أن يتم صومه ذلك اليوم الذي دخل فيه، فإذا كان له أن يأكل ويشرب وقد دخل في الصوم ونواه، ومضى بعض النهار وهو صائم، جاز له أن يحتجم، وهو مسافر في بعض نهار الصوم، وإن كانت الحجامة تفطره».
ثم روى من طريق أبي رافع قال: «دخلنا على أبي موسى وهو يحتجم بعد المغرب، فقلت: ألا احتجمت نهارا؟ فقال: تأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم».
سمعت أبا علي الحافظ يقول: قلت لعبدان الأهوازي: صح أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم؟
فقال: سمعت عباسا العنبري يقول: سمعت علي بن المديني يقول: قد صح حديث أبي رافع، عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة بأسانيد مستقيمة مما يطول شرحه في هذا الموضع.
سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد العنزي يقول: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد صح عندي حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم». لحديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به، وسمعت أحمد بن حنبل يقول به، ويذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد».
مناقشة نفيسة من ابن القيم وشيخه لمن قال: إن القياس؛ فساد صوم الآكل ناسيا، والآكل خطأ؛ كمن أكل يظنه ليلا فبان نهارا.
«إعلام الموقعين» ٢.
«إعلام الموقعين» ٢.
مؤونة الحديث والفتيا
قال عبدالرحمن بن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ -أراه قال في هذا المسجد- فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا».
رواه ابن المبارك في «الزهد» ص١٩، وابن سعد في «الطبقات» ١١٠/٦، وأبو خيثمة في «العلم» ص١٠، والفسوي في «المعرفة» ١١٤/٣، وغيرهم.
وهذا -والله أعلم- في المسائل التي فيها غموض أو اشتباه، أو ليس له فيها رأي أو علم؛ لأن حديث الصحابة في العلم والفتيا لا يحصى كثرة.
وذكرت هذا لبعض أهل العلم، فقال: «وقد يكون هذا أيضًا من باب الأدب، والتقدير وتقديم أخيه على نفسه».
وهو توجيه حسن، إلا أن قوله في هذا الخبر: «كفاه الحديث.. كفاه الفتيا»؛ لا يطاوعه، وهو معنى صحيح، يحدث كثيرا في المجالس، قديما وحديثا.
والله أعلم.
قال عبدالرحمن بن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ -أراه قال في هذا المسجد- فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا».
رواه ابن المبارك في «الزهد» ص١٩، وابن سعد في «الطبقات» ١١٠/٦، وأبو خيثمة في «العلم» ص١٠، والفسوي في «المعرفة» ١١٤/٣، وغيرهم.
وهذا -والله أعلم- في المسائل التي فيها غموض أو اشتباه، أو ليس له فيها رأي أو علم؛ لأن حديث الصحابة في العلم والفتيا لا يحصى كثرة.
وذكرت هذا لبعض أهل العلم، فقال: «وقد يكون هذا أيضًا من باب الأدب، والتقدير وتقديم أخيه على نفسه».
وهو توجيه حسن، إلا أن قوله في هذا الخبر: «كفاه الحديث.. كفاه الفتيا»؛ لا يطاوعه، وهو معنى صحيح، يحدث كثيرا في المجالس، قديما وحديثا.
والله أعلم.
علة النهي عن النمص
ذكر ابن مفلح في «الفروع» 1/160: «وأباح ابن الجوزي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس، أو أنه كان شعار الفاجرات.
وفي «الغنية» وجه: يجوز بطلب زوج».
ونقله عن ابن مفلح جمع من المتأخرين.
هذا تقييد لكلام الرسول ﷺ لم يُذكر له حجة، ومن أعطى الأدلة حقها من النظر؛ علم بطلان هذا التأويل.
فظاهر الحديث برواياته الكثيرة يرد هذا التأويل، ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله.
قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب -وكانت تقرأ القرآن- فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟
فقال عبدالله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله؟!
فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته!
فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.
فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن!
قال: اذهبي فانظري.
قال: فدخلت على امرأة عبدالله؛ فلم تر شيئا، فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئا. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها». البخاري (4886) ومسلم (2125) واللفظ له.
وعند ابن ماجه (1989): «قالت: إني لأظن أهلك يفعلون بعض ذلك».
وعند أحمد (3945): «قالت: المرأة فلعله في بعض نسائك! قال لها: ادخلي، فدخلت، ثم خرجت، فقالت: ما رأيت بأسا.
قال: ما حفظت إذًا وصية العبد الصالح:{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}».
وعند أبي داود (4171): فقال: «لو كان ذلك ما كانت معنا».
وعند الترمذي (2782): «لعن الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله».
وعند النسائي (5107): «سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات والموتشمات اللاتي يغيرن خلق الله عز وجل».
وقد جاء معنى هذا الحديث من حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم.
فعِلة اللعن: تغيير خلق الله. وهكذا فهم الصحابي له، وأن امرأته لو فعلته لم تبق معه.
ومما يبين فساد التأويل: أن النمص ووصل الشعر، والوشم، وبرد الأسنان، بابها واحد، وقد عللت بتعليل واحد، وهي لا تخص الفاجرات.
فهي من الأمور التي يفعلها النساء، كما دلت عليه هذه الأحاديث، وكذا هي مذكورة في أشعار العرب وأخبارهم.
وبوب البخاري في صحيحه: «باب: لا تطيع المرأة زوجها في معصية» وذكر تحته حديث (5205) عائشة: «أن امرأة من الأنصار زوَّجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها. فقال: لا، إنه قد لُعن الموصلات» وفي لفظ: (5934) «فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة». ورواه مسلم (2123).
وفي مسلم (2122) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسًا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟
فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة».
لاحظ هنا:
1- حاجتها لذلك؛ لتساقط شعرها من المرض.
2- كونها حديثةعهد بعرس.
3- زوجها يريد ذلك.
ومع هذا كله؛ كان جوابه ﷺ لها: «لعن الله الواصلة..».
وكون الفعل المحرم فُعل لأجل الزوج؛ لا يغير من الحكم شيئًا، كما لو طلب مواقعتها في الحيض أو الدبر؛ فلا يجوز لها تمكينه من ذلك ولو أرادت إعفافه؛ لأن هذه أفعال محرمة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وكما أنه لا يجوز للرجل أن يحلق لحيته ليتجمل بذلك لزوجه، ولو ترتب على ذلك أنها تنفر منه.
وقل مثل ذلك في أي فعل يريده أحد الزوجين -وهو محرم- إن لم يفعله نفر منه الآخر.
ومعتمد مذهب الحنابلة تحريمه، قال في «الفروع» 1/158:«ويحرم نمص، ووشر، ووشم، في الأصح».
وقال في «الإنصاف» 1/125: «ويحرم نمص، ووشر، ووشم، على الصحيح من المذهب».
وفي «منتهى الإرادات» 1/42: «ويحرم نمص، ووشر، ووشم، ووصل ولو بشعر بهيمة، أو بإذن زوج».
لهذا فزعم بعضهم أن معتمد المذهب جوازه؛ غير صحيح.
ووجدت أن ابن الجوزي ذكره احتمالا مع إقراره أن ظاهره وفهم الصحابي بخلافه؛ ففي «كشف المشكل» 1/184: «وظاهر هذا الحديث أن الكلام مطلق في حق كل مَن فعل هذا، وقول ابن مسعود يدل على ذلك، ويحتمل أن يراد به المتصنعات من النساء للفجور؛ لأن مثل هذا التحسن دأبهن، ويحتمل أن يراد بهن المموهات على الرجال بمثل هذه الأفعال لتغر المتزوج».
ونحوه في كتابه الآخر «أدب النساء» -كما نقله عنه السفاريني في «غذاء الألباب» 1/332-.
فهذه علل مستنبطة لم يذكروا لها دليلًا، وتركوا العلة المنصوص عليها في الحديث، ولو كان ما ذكروه صحيحًا لبينه النبي ﷺ أتم بيان ولفهمه عنه أصحابه.
فهو أفصح الخلق، وأنصحهم، ويمتنع مع نصحه وفصاحته؛ أن يتكلم بكلام في مثل هذا الزجر، ويكون ظاهره باطلًا غير مراد، حاشاه ﷺ.
قال الإمام أحمد: «من لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله؛ فقد كفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له».
«شرح أصول اعتقاد» 1/176.
ذكر ابن مفلح في «الفروع» 1/160: «وأباح ابن الجوزي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس، أو أنه كان شعار الفاجرات.
وفي «الغنية» وجه: يجوز بطلب زوج».
ونقله عن ابن مفلح جمع من المتأخرين.
هذا تقييد لكلام الرسول ﷺ لم يُذكر له حجة، ومن أعطى الأدلة حقها من النظر؛ علم بطلان هذا التأويل.
فظاهر الحديث برواياته الكثيرة يرد هذا التأويل، ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله.
قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب -وكانت تقرأ القرآن- فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟
فقال عبدالله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله؟!
فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته!
فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.
فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن!
قال: اذهبي فانظري.
قال: فدخلت على امرأة عبدالله؛ فلم تر شيئا، فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئا. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها». البخاري (4886) ومسلم (2125) واللفظ له.
وعند ابن ماجه (1989): «قالت: إني لأظن أهلك يفعلون بعض ذلك».
وعند أحمد (3945): «قالت: المرأة فلعله في بعض نسائك! قال لها: ادخلي، فدخلت، ثم خرجت، فقالت: ما رأيت بأسا.
قال: ما حفظت إذًا وصية العبد الصالح:{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}».
وعند أبي داود (4171): فقال: «لو كان ذلك ما كانت معنا».
وعند الترمذي (2782): «لعن الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله».
وعند النسائي (5107): «سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات والموتشمات اللاتي يغيرن خلق الله عز وجل».
وقد جاء معنى هذا الحديث من حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم.
فعِلة اللعن: تغيير خلق الله. وهكذا فهم الصحابي له، وأن امرأته لو فعلته لم تبق معه.
ومما يبين فساد التأويل: أن النمص ووصل الشعر، والوشم، وبرد الأسنان، بابها واحد، وقد عللت بتعليل واحد، وهي لا تخص الفاجرات.
فهي من الأمور التي يفعلها النساء، كما دلت عليه هذه الأحاديث، وكذا هي مذكورة في أشعار العرب وأخبارهم.
وبوب البخاري في صحيحه: «باب: لا تطيع المرأة زوجها في معصية» وذكر تحته حديث (5205) عائشة: «أن امرأة من الأنصار زوَّجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها. فقال: لا، إنه قد لُعن الموصلات» وفي لفظ: (5934) «فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة». ورواه مسلم (2123).
وفي مسلم (2122) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسًا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟
فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة».
لاحظ هنا:
1- حاجتها لذلك؛ لتساقط شعرها من المرض.
2- كونها حديثةعهد بعرس.
3- زوجها يريد ذلك.
ومع هذا كله؛ كان جوابه ﷺ لها: «لعن الله الواصلة..».
وكون الفعل المحرم فُعل لأجل الزوج؛ لا يغير من الحكم شيئًا، كما لو طلب مواقعتها في الحيض أو الدبر؛ فلا يجوز لها تمكينه من ذلك ولو أرادت إعفافه؛ لأن هذه أفعال محرمة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وكما أنه لا يجوز للرجل أن يحلق لحيته ليتجمل بذلك لزوجه، ولو ترتب على ذلك أنها تنفر منه.
وقل مثل ذلك في أي فعل يريده أحد الزوجين -وهو محرم- إن لم يفعله نفر منه الآخر.
ومعتمد مذهب الحنابلة تحريمه، قال في «الفروع» 1/158:«ويحرم نمص، ووشر، ووشم، في الأصح».
وقال في «الإنصاف» 1/125: «ويحرم نمص، ووشر، ووشم، على الصحيح من المذهب».
وفي «منتهى الإرادات» 1/42: «ويحرم نمص، ووشر، ووشم، ووصل ولو بشعر بهيمة، أو بإذن زوج».
لهذا فزعم بعضهم أن معتمد المذهب جوازه؛ غير صحيح.
ووجدت أن ابن الجوزي ذكره احتمالا مع إقراره أن ظاهره وفهم الصحابي بخلافه؛ ففي «كشف المشكل» 1/184: «وظاهر هذا الحديث أن الكلام مطلق في حق كل مَن فعل هذا، وقول ابن مسعود يدل على ذلك، ويحتمل أن يراد به المتصنعات من النساء للفجور؛ لأن مثل هذا التحسن دأبهن، ويحتمل أن يراد بهن المموهات على الرجال بمثل هذه الأفعال لتغر المتزوج».
ونحوه في كتابه الآخر «أدب النساء» -كما نقله عنه السفاريني في «غذاء الألباب» 1/332-.
فهذه علل مستنبطة لم يذكروا لها دليلًا، وتركوا العلة المنصوص عليها في الحديث، ولو كان ما ذكروه صحيحًا لبينه النبي ﷺ أتم بيان ولفهمه عنه أصحابه.
فهو أفصح الخلق، وأنصحهم، ويمتنع مع نصحه وفصاحته؛ أن يتكلم بكلام في مثل هذا الزجر، ويكون ظاهره باطلًا غير مراد، حاشاه ﷺ.
قال الإمام أحمد: «من لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله؛ فقد كفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له».
«شرح أصول اعتقاد» 1/176.
Forwarded from قناة || معاوية بن إحسان العتيبي (معاويةُ بنُ إحسانَ بنِ محمدٍ العُتَيْبيُّ)
تلخيصُ كتاب [دروس التصريف] للشيخ العلامة: محمد محيي الدين عبد الحميد
https://saaid.org/bahoth/214.htm
لمحبكم
https://saaid.org/bahoth/214.htm
لمحبكم
المسألة التي قيل فيها: لو كان به شبق يخاف منه تشقق أنثييه أو مثانته.. !
فيها نظر، وهذا توهم، فلن تتشقق من هذا أبدا، -ثم لو قدر إمكان حدوثه- فاندفاعه بما دون ذلك؛ ممكن قطعا.
فهذا فرع عجيب، تلقوه ولم يتعقبوه، وفرعوا عليه!
فيها نظر، وهذا توهم، فلن تتشقق من هذا أبدا، -ثم لو قدر إمكان حدوثه- فاندفاعه بما دون ذلك؛ ممكن قطعا.
فهذا فرع عجيب، تلقوه ولم يتعقبوه، وفرعوا عليه!
ومن المسائل الغريبة: الخلاف في النزع، هل يفسد الصوم وعليه الكفارة، أو يفسد بلا كفارة، أو صومه صحيح؟!
وهذا التفريع قد يصح لو كان طلوع الفجر؛ قطعي التحديد، كالبرق إضاءة وسرعة!
لكنه ليس كذلك، قال الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.
وهذا التفريع قد يصح لو كان طلوع الفجر؛ قطعي التحديد، كالبرق إضاءة وسرعة!
لكنه ليس كذلك، قال الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.
قال النبي ﷺ: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما؛ فليصمه».
متفق عليه.
فهذا نهي أن يصوم العبد احتياطا لرمضان، أو زيادة فيه.
وقوله ﷺ: «إلا رجل كان يصوم صوما؛ فليصمه».
أي: من كانت له عادة من صوم فوافقت هذه الأيام؛ فلا حرج عليه في ذلك،
مثل:
من كان له عادة بصوم الاثنين أو الخميس أو يوم إجازته من عمله،
أو ثلاثة أيام من كل شهر وبقي عليه بعضها،
أو من عليه قضاء..
متفق عليه.
فهذا نهي أن يصوم العبد احتياطا لرمضان، أو زيادة فيه.
وقوله ﷺ: «إلا رجل كان يصوم صوما؛ فليصمه».
أي: من كانت له عادة من صوم فوافقت هذه الأيام؛ فلا حرج عليه في ذلك،
مثل:
من كان له عادة بصوم الاثنين أو الخميس أو يوم إجازته من عمله،
أو ثلاثة أيام من كل شهر وبقي عليه بعضها،
أو من عليه قضاء..
ختم ابن القيم كتابه «إعلام الموقعين» بفوائد تتعلق بالفتوى، واستغرقت المجلد الخامس كاملا.
وهذه فائدة بديعة منها:
قال ابن القيم:
«الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره.
وهو موضع خطر جدًّا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبِّب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم.
فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى؛ فلينظر الإنسان إلى من يدلُّ عليه، وليتَّق الله ربَّه.
وكان شيخنا -قدَّس الله روحه- شديد التجنب لذلك.
ودللتُ مرةً بحضرته على مفتٍ أو مذهبٍ، فانتهرني، وقال: ما لك وله؟ دعه.
ففهمتُ من كلامه أنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه.
ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد.
قال أبو داود في «مسائله»: «قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة، فأدلُّه على إنسان يسأله؟
فقال: إذا كان -يعني الذي أُرْشِدَ إليه- يتَّبع، ويفتي بالسنة.
فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع، وليس كلُّ قوله يصيب.
فقال أحمد: ومن يصيب في كلِّ شيء!
قلت له: فرأي مالك؟
فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء».
قلت: وأحمد كان يدلّ على أهل المدينة، ويدلّ على الشافعي، ويدلّ على إسحاق.
ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يُستفتَى أهلُ الرأي المخالفون لسنة رسول الله ﷺ؛ وبالله التوفيق؛ ولا سيَّما كثيرٌ من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره!
وقد رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟
فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
قال: ولَبعضُ من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق.
قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّ باعِ التكلُّف إليها، وتسلُّقَه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة.
وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، وليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب. لا يبتدئ جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر ففتواه: كذلك يقول فلان بن فلان!
يمدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرُهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ.
وكثير منهم نصيبهم مثلُ ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال: كان عندنا مفتٍ قليلُ البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدَّمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثلُ جواب الشيخ.
فقُدِّر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين.
فقيل له: إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضًا تناقضتُ كما تناقضا!
وقد أقام الله سبحانه لكلِّ عالم ورئيس وفاضل من يُظهِر مماثلته، ويرى الجهال -وهم الأكثرون- مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسَي رِهان، ولا سيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى الذَّنَب الطويل وراءه كذنَب الأتان، وهذَر باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان.
فلو لبِس الحمارُ ثيابَ هذا .. لقال الناس: يا لك من حمار!
وهذا الضرب إنما يُستفتَون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية.
قد غرَّهم عكوفُ من لا علم عنده عليهم، ومسارعةُ مَن أجهلُ منهم إليهم.
تعِجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا.
فمَن أقدَم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحقَّ اسم الذم، ولم يحِلَّ قبولُ فتياه ولا قضائه.
هذا حكم دين الإسلام.
وإن رغِمَتْ أنوفٌ من أناس ... فقل: يا ربِّ لا تُرغِمْ سواها».
«إعلام الموقعين» ٨٨/٥.
وهذه فائدة بديعة منها:
قال ابن القيم:
«الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره.
وهو موضع خطر جدًّا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبِّب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم.
فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى؛ فلينظر الإنسان إلى من يدلُّ عليه، وليتَّق الله ربَّه.
وكان شيخنا -قدَّس الله روحه- شديد التجنب لذلك.
ودللتُ مرةً بحضرته على مفتٍ أو مذهبٍ، فانتهرني، وقال: ما لك وله؟ دعه.
ففهمتُ من كلامه أنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه.
ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد.
قال أبو داود في «مسائله»: «قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة، فأدلُّه على إنسان يسأله؟
فقال: إذا كان -يعني الذي أُرْشِدَ إليه- يتَّبع، ويفتي بالسنة.
فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع، وليس كلُّ قوله يصيب.
فقال أحمد: ومن يصيب في كلِّ شيء!
قلت له: فرأي مالك؟
فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء».
قلت: وأحمد كان يدلّ على أهل المدينة، ويدلّ على الشافعي، ويدلّ على إسحاق.
ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يُستفتَى أهلُ الرأي المخالفون لسنة رسول الله ﷺ؛ وبالله التوفيق؛ ولا سيَّما كثيرٌ من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره!
وقد رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟
فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
قال: ولَبعضُ من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق.
قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّ باعِ التكلُّف إليها، وتسلُّقَه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة.
وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، وليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب. لا يبتدئ جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر ففتواه: كذلك يقول فلان بن فلان!
يمدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرُهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ.
وكثير منهم نصيبهم مثلُ ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال: كان عندنا مفتٍ قليلُ البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدَّمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثلُ جواب الشيخ.
فقُدِّر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين.
فقيل له: إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضًا تناقضتُ كما تناقضا!
وقد أقام الله سبحانه لكلِّ عالم ورئيس وفاضل من يُظهِر مماثلته، ويرى الجهال -وهم الأكثرون- مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسَي رِهان، ولا سيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى الذَّنَب الطويل وراءه كذنَب الأتان، وهذَر باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان.
فلو لبِس الحمارُ ثيابَ هذا .. لقال الناس: يا لك من حمار!
وهذا الضرب إنما يُستفتَون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية.
قد غرَّهم عكوفُ من لا علم عنده عليهم، ومسارعةُ مَن أجهلُ منهم إليهم.
تعِجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا.
فمَن أقدَم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحقَّ اسم الذم، ولم يحِلَّ قبولُ فتياه ولا قضائه.
هذا حكم دين الإسلام.
وإن رغِمَتْ أنوفٌ من أناس ... فقل: يا ربِّ لا تُرغِمْ سواها».
«إعلام الموقعين» ٨٨/٥.
من أحرم بالعمرة في شعبان وأداها في رمضان، هل تكون عمرته رمضانية؟
تكلم في هذا بعض العلماء المعاصرين، واختلفوا،
فمنهم من قال: إذا أحرم في شعبان فهي شعبانية، ولو طاف وسعى في رمضان.
قال آخرون: العبرة بوقت فعلها، فإذا طاف وسعى في رمضان فهي رمضانية، ولو أحرم في شعبان.
وهذه نقول قد تفيد معرفة مذاهب أهل العلم فيها من خلال اعتبارهم وقت الإحرام أو أفعالها.
قال القاضي أبو يعلى الحنبلي في «التعليقة الكبيرة» ٢٦٧/١:
مسألة إذا أحرم بعمرة في رمضان، وطاف لها في شوال، وحج من عامه ذلك؛ لم يكن متمتعا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: ومن أهل بعمرة في غير أشهر الحج، ثم قدم في شوال لا يكون متمتعا.
وكذلك نقل ابن إبراهيم فيمن أحرم بعمرة في شهر رمضان، ودخل الحرم في شوال: عمرته في الشهر الذي أهل.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكون متمتعا.
وللشافعي قولان:
قال في القديم مثل قول أبي حنيفة.
وقال في الجديد مثل قولنا.
دليلنا: أن إحرام العمرة لم يحصل في أشهر الحج، فأشبه إذا طاف في رمضان.
ولأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، أو عمل من أعمال العمرة، فوجب أن يكون وجوده في أشهر الحج شرطا في [وجوب] دم التمتع.
دليله: الطواف.
فإن قيل: الإحرام ليس من العمرة عندنا، وإنما هو سبب يتوصل به إلى أدنى أفعالها، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الأفعال، بدليل: أنه ليس بمقصود في نفسه، وإنما يتوصل به إلى أدنى موجباته، فلم يجب اعتباره بسائر الأفعال.
قيل: [الأدلة] على أن الإحرام من العمرة، وأن حكمه حكم سائر أعمال العمرة سواء، ألا ترى أنه لما لم تتوقت أفعال العمرة لم يتوقت الإحرام، ويشترط للإحرام ما يشترط لسائر الأفعال، وينافيه ما ينافي سائر الأفعال؟
ألا ترى أن استدامة الإحرام تمنع الطيب واللباس وقتل الصيد والوطء، كما يمنع حال انعقاده، وينعقد مع الفساد، ويلزم المضي فيه، كما لو طرأ الفساد عليه بعد انعقاده، والعمرة لا تتم إلا بالطواف والسعي.
فإن قيل: استدامة الإحرام في شوال تجري مجرى ابتدائه، ولهذا قلتم: إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف بعرفة، ووقف بعرفة وهو حر، فإنه يدرك الحج وتكون الاستدامة بمنزل الابتداء للإحرام في حال الحرية.
قيل له: لا يجوز أن تكون استدامة الإحرام كابتدائه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة، وقد ثبت أنه لو أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت واستدامتها بعد دخول الوقت، لم يصح.
وأما العبد إذا أعتق، فإنما قلنا: يجزئه؛ لأنه أدرك عرفة -وهي معظم الحج- في حال الكمال، لا أن الاستدامة تجري مجرى الابتداء.
واحتج المخالف بأن طواف العمرة حصل في أشهر الحج؛ فأشبه إذا أحرم بها في هذه الأشهر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الإحرام بها حصل في أشهر الحج، وليس كذلك هاهنا، لأن الإحرام بها حصل في غير أشهره.
واحتج بأن إحرام العمرة أحد طرفي التمتع؛ لأن التمتع لا يصح إلا بالعمرة والحج جميعا، فوجب أن لا يختص بأشهر الحج.
دليله: آخر الحج.
والجواب: أنه لا يتمنع أن يفعل الطرف الثاني في غير أشهر الحج، ولا يفعل الأول، كما قالوا: يكره الإحرام بالعمرة في يوم عرفة وأيام التشريق، ولا يكره استدامة الإحرام بها في هذه الأيام؛ لأن الطواف في آخر الحج يجوز أن يكون في غير أشهر الحج، فدل على الفرق بينهما».
وينظر «أحكام القرآن» لأبي بكر الجصاص الحنفي.
«باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج.
قال أبو بكر: قد اختلف السلف في جواز
الإحرام قبل أشهر الحج..». ٣٧٤/١.
وفيه احتاج ونقاش طويل، وهم يرون العبرة بوقت أفعالها لا بوقت الإحرام.
وقال القاضي عبدالوهاب المالكي في «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» ٤٦٣/١:
«مسألة: ليس من شرط التمتع أن يبتدئ العمرة في أشهر الحج، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأن الغرض ليس هو استيفاء جميع عملها، وإنما هو عمل غير الحج في أشهر الحج، سواء كان جميع العبادة أو بعضها، ولأن فعل العمرة في أشهر الحج حاصل منه، كما لو ابتدأ الإحرام بها في أشهر الحج».
وفي «شرح العمدة» لابن تيمية ٢٤٢/٤-٢٥٥ نقاش طويل ونقول.. ومنه:
قال: «العمرة للشهر الذي يُهِلُّ فيه، لا الشهر الذي يَحِلّ فيه». ٢٤٧/٤.
وقال: «العمرة عندنا للشهر الذي يحرم منه» ٢٥٣/٤.
هذا ما تيسر، والله أعلم.
تكلم في هذا بعض العلماء المعاصرين، واختلفوا،
فمنهم من قال: إذا أحرم في شعبان فهي شعبانية، ولو طاف وسعى في رمضان.
قال آخرون: العبرة بوقت فعلها، فإذا طاف وسعى في رمضان فهي رمضانية، ولو أحرم في شعبان.
وهذه نقول قد تفيد معرفة مذاهب أهل العلم فيها من خلال اعتبارهم وقت الإحرام أو أفعالها.
قال القاضي أبو يعلى الحنبلي في «التعليقة الكبيرة» ٢٦٧/١:
مسألة إذا أحرم بعمرة في رمضان، وطاف لها في شوال، وحج من عامه ذلك؛ لم يكن متمتعا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: ومن أهل بعمرة في غير أشهر الحج، ثم قدم في شوال لا يكون متمتعا.
وكذلك نقل ابن إبراهيم فيمن أحرم بعمرة في شهر رمضان، ودخل الحرم في شوال: عمرته في الشهر الذي أهل.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكون متمتعا.
وللشافعي قولان:
قال في القديم مثل قول أبي حنيفة.
وقال في الجديد مثل قولنا.
دليلنا: أن إحرام العمرة لم يحصل في أشهر الحج، فأشبه إذا طاف في رمضان.
ولأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، أو عمل من أعمال العمرة، فوجب أن يكون وجوده في أشهر الحج شرطا في [وجوب] دم التمتع.
دليله: الطواف.
فإن قيل: الإحرام ليس من العمرة عندنا، وإنما هو سبب يتوصل به إلى أدنى أفعالها، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الأفعال، بدليل: أنه ليس بمقصود في نفسه، وإنما يتوصل به إلى أدنى موجباته، فلم يجب اعتباره بسائر الأفعال.
قيل: [الأدلة] على أن الإحرام من العمرة، وأن حكمه حكم سائر أعمال العمرة سواء، ألا ترى أنه لما لم تتوقت أفعال العمرة لم يتوقت الإحرام، ويشترط للإحرام ما يشترط لسائر الأفعال، وينافيه ما ينافي سائر الأفعال؟
ألا ترى أن استدامة الإحرام تمنع الطيب واللباس وقتل الصيد والوطء، كما يمنع حال انعقاده، وينعقد مع الفساد، ويلزم المضي فيه، كما لو طرأ الفساد عليه بعد انعقاده، والعمرة لا تتم إلا بالطواف والسعي.
فإن قيل: استدامة الإحرام في شوال تجري مجرى ابتدائه، ولهذا قلتم: إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف بعرفة، ووقف بعرفة وهو حر، فإنه يدرك الحج وتكون الاستدامة بمنزل الابتداء للإحرام في حال الحرية.
قيل له: لا يجوز أن تكون استدامة الإحرام كابتدائه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة، وقد ثبت أنه لو أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت واستدامتها بعد دخول الوقت، لم يصح.
وأما العبد إذا أعتق، فإنما قلنا: يجزئه؛ لأنه أدرك عرفة -وهي معظم الحج- في حال الكمال، لا أن الاستدامة تجري مجرى الابتداء.
واحتج المخالف بأن طواف العمرة حصل في أشهر الحج؛ فأشبه إذا أحرم بها في هذه الأشهر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الإحرام بها حصل في أشهر الحج، وليس كذلك هاهنا، لأن الإحرام بها حصل في غير أشهره.
واحتج بأن إحرام العمرة أحد طرفي التمتع؛ لأن التمتع لا يصح إلا بالعمرة والحج جميعا، فوجب أن لا يختص بأشهر الحج.
دليله: آخر الحج.
والجواب: أنه لا يتمنع أن يفعل الطرف الثاني في غير أشهر الحج، ولا يفعل الأول، كما قالوا: يكره الإحرام بالعمرة في يوم عرفة وأيام التشريق، ولا يكره استدامة الإحرام بها في هذه الأيام؛ لأن الطواف في آخر الحج يجوز أن يكون في غير أشهر الحج، فدل على الفرق بينهما».
وينظر «أحكام القرآن» لأبي بكر الجصاص الحنفي.
«باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج.
قال أبو بكر: قد اختلف السلف في جواز
الإحرام قبل أشهر الحج..». ٣٧٤/١.
وفيه احتاج ونقاش طويل، وهم يرون العبرة بوقت أفعالها لا بوقت الإحرام.
وقال القاضي عبدالوهاب المالكي في «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» ٤٦٣/١:
«مسألة: ليس من شرط التمتع أن يبتدئ العمرة في أشهر الحج، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأن الغرض ليس هو استيفاء جميع عملها، وإنما هو عمل غير الحج في أشهر الحج، سواء كان جميع العبادة أو بعضها، ولأن فعل العمرة في أشهر الحج حاصل منه، كما لو ابتدأ الإحرام بها في أشهر الحج».
وفي «شرح العمدة» لابن تيمية ٢٤٢/٤-٢٥٥ نقاش طويل ونقول.. ومنه:
قال: «العمرة للشهر الذي يُهِلُّ فيه، لا الشهر الذي يَحِلّ فيه». ٢٤٧/٤.
وقال: «العمرة عندنا للشهر الذي يحرم منه» ٢٥٣/٤.
هذا ما تيسر، والله أعلم.
يا طالب العلم ما لم تسمعه كثير!
قال القرافي: «وإنما صعب على طالب العلم هذا من جهة أنه يسمع طول عمره أن .. ولم يسمع في ذلك تفصيلا؛ فصعب عليه التفصيل.
وكم من تفصيل قد سُكت عنه الدهر الطويل وأجراه الله تعالى على قلب من شاء من عباده في جميع العلوم العقليات والنقليات.
ومن اشتغل بالعلوم وكثر تحصيله لها؛ اطلع على شيء كثير من ذلك.
فهذا هو تحرير هذا الموضع عندي، وهو من المشكلات التي يقل تحريرها والجواب عنها من الفضلاء».
«الفروق» ٣٧٢/١.
قال القرافي: «وإنما صعب على طالب العلم هذا من جهة أنه يسمع طول عمره أن .. ولم يسمع في ذلك تفصيلا؛ فصعب عليه التفصيل.
وكم من تفصيل قد سُكت عنه الدهر الطويل وأجراه الله تعالى على قلب من شاء من عباده في جميع العلوم العقليات والنقليات.
ومن اشتغل بالعلوم وكثر تحصيله لها؛ اطلع على شيء كثير من ذلك.
فهذا هو تحرير هذا الموضع عندي، وهو من المشكلات التي يقل تحريرها والجواب عنها من الفضلاء».
«الفروق» ٣٧٢/١.
صفات المفتي وفوائد أخرى
قال ابن القيم: «الفائدة الثالثة والعشرون:
ذكر أبو عبد الله بن بطَّة في «كتابه في الخلع» عن الإمام أحمد أنه قال: «لا ينبغي للرجل أن ينصِب نفسَه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة.
الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية وإلا مضَغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس».
وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحلِّه من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها؛ ظهر الخلل في المفتي بحسبه.
فأما النية، فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعملُ تابع لها، يصحُّ بصحتها، ويفسد بفسادها.
وبها يُستجلَب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان.
وبحسبها تفاوتت الدرجات في الدنيا والآخرة.
فكم بين مريدٍ بالفتوى وجهَ الله ورضاه والقربَ منه وما عنده، ومريدٍ بها وجهَ المخلوق ورجاءَ منفعته وما يناله منه تحقيقًا أو طمعًا!
فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب.
هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع. وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان.
وقد جرت عادة الله التي لا تبدَّل وسنته التي لا تحوَّل: أن يُلبِس المخلصَ، من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه.
ويُلبِس المرائي اللابسَ ثوبَي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به.
فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.
وأما قوله: «أن يكون له حلم ووقار وسكينة».
فليس صاحبُ العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوةُ علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس.
قال بعض السلف: ما قُرن شيءٌ إلى شيء أحسنُ من علم إلى حلم.
والناس هاهنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي العلم والحلم.
وشرارهم من عَدِمهما.
الثالث: من أوتي علمًا بلا حلم.
الرابع: عكسه.
فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله.
وضدُّه: الطيش والعجلة والحدَّة والتسرُّع وعدم الثبات.
فالحليم لا يستفزُّه البَدَوات، ولا يستخفُّه الذين لا يعلمون، ولا يُقَلقله أهلُ الطيش والخفة والجهل؛ بل هو وقور ثابت ذو أناة، يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها.
وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفَّه دواعي الغضب والشهوة.
فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشرّ والصلاح والفساد.
وبالحلم يتمكَّن من تثبيت نفسه عند الخير، فيؤثره، ويصبر عليه؛ وعند الشرِّ فيصبر عنه.
فالعلم يعرِّفه رشدَه، والحلم يثبِّته عليه.
وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشرِّ لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته.
وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاقِّ لا بصيرةَ له رأيته.
وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته.
وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا؛ لم تكد. فإذا رأيتَه فقد رأيتَ إمامَ هدًى حقًّا، فاستمسِكْ بغَرْزه!
والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته».
«إعلام الموقعين» ٧٤/٥.
قال ابن القيم: «الفائدة الثالثة والعشرون:
ذكر أبو عبد الله بن بطَّة في «كتابه في الخلع» عن الإمام أحمد أنه قال: «لا ينبغي للرجل أن ينصِب نفسَه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة.
الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية وإلا مضَغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس».
وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحلِّه من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها؛ ظهر الخلل في المفتي بحسبه.
فأما النية، فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعملُ تابع لها، يصحُّ بصحتها، ويفسد بفسادها.
وبها يُستجلَب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان.
وبحسبها تفاوتت الدرجات في الدنيا والآخرة.
فكم بين مريدٍ بالفتوى وجهَ الله ورضاه والقربَ منه وما عنده، ومريدٍ بها وجهَ المخلوق ورجاءَ منفعته وما يناله منه تحقيقًا أو طمعًا!
فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب.
هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع. وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان.
وقد جرت عادة الله التي لا تبدَّل وسنته التي لا تحوَّل: أن يُلبِس المخلصَ، من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه.
ويُلبِس المرائي اللابسَ ثوبَي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به.
فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.
وأما قوله: «أن يكون له حلم ووقار وسكينة».
فليس صاحبُ العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوةُ علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس.
قال بعض السلف: ما قُرن شيءٌ إلى شيء أحسنُ من علم إلى حلم.
والناس هاهنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي العلم والحلم.
وشرارهم من عَدِمهما.
الثالث: من أوتي علمًا بلا حلم.
الرابع: عكسه.
فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله.
وضدُّه: الطيش والعجلة والحدَّة والتسرُّع وعدم الثبات.
فالحليم لا يستفزُّه البَدَوات، ولا يستخفُّه الذين لا يعلمون، ولا يُقَلقله أهلُ الطيش والخفة والجهل؛ بل هو وقور ثابت ذو أناة، يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها.
وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفَّه دواعي الغضب والشهوة.
فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشرّ والصلاح والفساد.
وبالحلم يتمكَّن من تثبيت نفسه عند الخير، فيؤثره، ويصبر عليه؛ وعند الشرِّ فيصبر عنه.
فالعلم يعرِّفه رشدَه، والحلم يثبِّته عليه.
وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشرِّ لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته.
وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاقِّ لا بصيرةَ له رأيته.
وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته.
وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا؛ لم تكد. فإذا رأيتَه فقد رأيتَ إمامَ هدًى حقًّا، فاستمسِكْ بغَرْزه!
والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته».
«إعلام الموقعين» ٧٤/٥.
Forwarded from عبدالله بن بلقاسم
وصية...قبل رمضان.
الكثيرون يقدمون وصايا نافعة للصائمين قبل رمضان....وكلها خير
وأخطر ما يحول بين الصائم وتحصيل ثمرات الصيام وأن يغفر له ما تقدم من ذنبه ويكون من الفائزين:
ليس أنه لم يختم الختمات الكثيرة أو لم يتصدق الصدقات الكبيرة أو لم يعتمر
وكل ذلك خيرات وأعمال صالحة ونعمة لمن وفق لها
لكن الذي يحرمه من تحقيق أجر الصيام هو
قول الزور والعمل به والجهل...
ولذا فإن العاقل أعظم ما يهمه ويشغله ويخافه في رمضان :
هو الذنوب والمعاصي في سمعه وبصره ولسانه
ولو أن رجلا أعانه الله على ترك الزور والجهل والعدوان على الناس والذنوب في رمضان ولم يفعل من النوافل شيئا إلا إنه صام عن المفطرات إيمانا واحتسابا لغفر له ما تقدم من ذنبه ونال كل ثواب رتبه الشرع على الصيام.
ففي صحيح البخاري
(مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ)
فخطط قبل حساب الختمات كيف تفر من ذنوب السمع والبصر واللسان والغيبة والسباب والكذب والفحش والنظر في المحرمات وسماع المنكرات.
الكثيرون يقدمون وصايا نافعة للصائمين قبل رمضان....وكلها خير
وأخطر ما يحول بين الصائم وتحصيل ثمرات الصيام وأن يغفر له ما تقدم من ذنبه ويكون من الفائزين:
ليس أنه لم يختم الختمات الكثيرة أو لم يتصدق الصدقات الكبيرة أو لم يعتمر
وكل ذلك خيرات وأعمال صالحة ونعمة لمن وفق لها
لكن الذي يحرمه من تحقيق أجر الصيام هو
قول الزور والعمل به والجهل...
ولذا فإن العاقل أعظم ما يهمه ويشغله ويخافه في رمضان :
هو الذنوب والمعاصي في سمعه وبصره ولسانه
ولو أن رجلا أعانه الله على ترك الزور والجهل والعدوان على الناس والذنوب في رمضان ولم يفعل من النوافل شيئا إلا إنه صام عن المفطرات إيمانا واحتسابا لغفر له ما تقدم من ذنبه ونال كل ثواب رتبه الشرع على الصيام.
ففي صحيح البخاري
(مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ)
فخطط قبل حساب الختمات كيف تفر من ذنوب السمع والبصر واللسان والغيبة والسباب والكذب والفحش والنظر في المحرمات وسماع المنكرات.
لماذا تأخذون بالحساب في أوقات الصلاة، ولا تأخذون به في دخول الشهر والخسوف وتشترطون الرؤية؟
لأن أوقات الصلاة ربطها الشارع بوجود أسباب -طلوع الفجر، غروب الشمس، زوالها..- فمتى ما علم وجودها بأي طريقة صحيحة؛ تعين العمل بها.
أما دخول الشهر والخسوف فأسبابها هي (رؤية) ذلك نفسه، لا مجرد العلم بوقوعه.
قال القرافي مقررا هذا المعنى في كتابه «الفروق»:
«الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب..».
قال: «والفرق -وهو المطلوب ههنا وهو عمدة السلف والخلف- أن الله تعالى نصَب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات؛ لقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} أي: لأجله، وكذلك قوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون}.
قال المفسرون: هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات؛ حين تمسون: المغرب والعشاء.
وحين تصبحون: الصبح.
وعشيا: العصر.
وحين تظهرون: الظهر.
والصلاة تسمى سُبحة، ومنه: سبحة الضحى أي: صلاتها؛ فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات.
وغير ذلك من الكتاب والسنة الدال على أن نفس الوقت سبب؛ فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات.
وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببا للصوم؛ بل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس؛ هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية؛ لم يحصل السبب الشرعي؛ فلا يثبت الحكم، ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببا للصوم؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس، كما قال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}، ثم قال «فإن غم عليكم» أي: خفيت عليكم رؤيته؛ «فاقدروا له»، وفي رواية «فأكملوا العدة ثلاثين»؛ فنصب رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع».
لأن أوقات الصلاة ربطها الشارع بوجود أسباب -طلوع الفجر، غروب الشمس، زوالها..- فمتى ما علم وجودها بأي طريقة صحيحة؛ تعين العمل بها.
أما دخول الشهر والخسوف فأسبابها هي (رؤية) ذلك نفسه، لا مجرد العلم بوقوعه.
قال القرافي مقررا هذا المعنى في كتابه «الفروق»:
«الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب..».
قال: «والفرق -وهو المطلوب ههنا وهو عمدة السلف والخلف- أن الله تعالى نصَب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات؛ لقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} أي: لأجله، وكذلك قوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون}.
قال المفسرون: هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات؛ حين تمسون: المغرب والعشاء.
وحين تصبحون: الصبح.
وعشيا: العصر.
وحين تظهرون: الظهر.
والصلاة تسمى سُبحة، ومنه: سبحة الضحى أي: صلاتها؛ فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات.
وغير ذلك من الكتاب والسنة الدال على أن نفس الوقت سبب؛ فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات.
وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببا للصوم؛ بل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس؛ هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية؛ لم يحصل السبب الشرعي؛ فلا يثبت الحكم، ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببا للصوم؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس، كما قال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}، ثم قال «فإن غم عليكم» أي: خفيت عليكم رؤيته؛ «فاقدروا له»، وفي رواية «فأكملوا العدة ثلاثين»؛ فنصب رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع».
هل فضل عمرة رمضان خاص بتلك المرأة، ولماذا لم يعتمر الصحابة في رمضان؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وسلم تسليما، أما بعد.
فالأصل في فضل العمرة في رمضان ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار: ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه -لزوجها وابنها-، وترك ناضحا ننضح عليه، قال: فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان حجة».
وقد جاء نحوه في أحاديث أخر.
وقد ادعى بعضهم أن هذه الفضيلة خاصة بهذه المرأة، وأيد ذلك بأمور سأذكر أهمها ثم أجيب عنه مختصرا.
1- دعوى أنه خاص بها.
فيقال: دعوى الخصوص تحتاج إلى دليل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وليس في الحديث ما يشعر به، بل فيه ما يدل على العموم، فقوله: «فإن عمرة في رمضان تعدل حجة» تعليل لتخصيص «رمضان» لحصول الفضيلة.
2- أن النبي ﷺ إنما ذكره لهذه المرأة ولم يبتدأ ذلك للناس.
فيقال: كون هذه الفصيلة ذكرت عند هذه الحادثة؛ لا يؤثر؛ فهو كغيره من الشرائع التي قدر الله ظهورها أوتشريعها بمثل هذه الأسباب والحوادث.
وقد بادرها النبي ﷺ بهذه الفضيلة مع أنها لم تطلب بديلا لما فاتها من الحج.
3- مما يدل على الخصوصية لها: أنه لم ينقل أن الصحابة كانوا يعتمرون في رمضان.
فيقال: ما ذكر أن الصحابة لا يفعلونه فيه نظر، فالصحابة كثيرون، والذي ينقل غالبا هو فعل علمائهم، ينقله تلاميذهم من صغار الصحابة والتابعين، وأما بقية الصحابة فلم ينقل أكثر ما فعلوه، وقد لا يكون كثير منهم علم بهذا الفضل، ومن علمه قد لا تيسر له الاعتمار في رمضان، فكم من فضيلة يتركها الفاضل لكونها شاقة عليه، أو لم تتيسر له، أو لانشغاله بغيرها مما يراه أنفع له أو أكثر ملاءمة لحاله، كما كان ابن مسعود يترك نفل الصيام لأجل القرآن.(١)
وينبغي أن يستحضر هنا أن العمرة في زمانهم ليست كزماننا؛ بل هي مختلفة تماما، فتحتاج لصحبة، ومعرفة الطريق، وكان لها مشقة كبيرة، فالسفر طويل ذهابا وعودة، قد يستغرق أكثر من نصف شهر رمضان لمن كان منهم في المدينة، أما من كان في العراق والشام ومصر، فالأمر أعظم بكثير.
فالعمرة في رمضان سيترتب عليها أن يذهب عليهم الشهر أو أكثره وهم في حال سفر، أو أن يبقى في مكة زمنا طويلا، وسيترتب على هذا مشاق كثيرة وفوات مصالح كثيرة.
4- أن النبي ﷺ ما اعتمر في رمضان، بل كل عمره في ذي القعدة.
فيقال: قد لا يكون ﷺ علم بهذه الفضيلة إلا بعد حجه، ثم مات ﷺ في ربيع الأول، أو يكون تركها لانشغاله بما هو أهم منها، أو لم تتيسر له.
وعمرة ذي القعدة فاضلة لكونها موافقة لفعله ﷺ، لكن عمرة رمضان رتب لها فضل خاص، وهو أنها تعدل حجة، وما كان له فضل خاص لا يعارض فضله بمجرد فعل النبي ﷺ لغيره.
ومثله ما في الصحيحين أنه ﷺ قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما ويفطر يوما.
ولم يكن ﷺ يفعل ما في الحديث بهذا الترتيب، لكونه لم يتيسر له.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(١) روى ابن أبي شيبة والفاكهي -واللفظ له- وغيرهم من طرق عن ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر عن عبد اللَّه بن السائب بن أبي السائب قال: «إني لأقوم بالناس في شهر رمضان إذ دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه معتمرًا، فسمعت تكبيره، وأنا أؤم الناس، فدخل فصلى بصلاتي -يعني خلف المقام-».
وإسناده صحيح؛ إن كان محمد سمع من جده عبدالله، فقد روى عنه بواسطة في مسلم، ولم أجد له تصريحا بالسماع ولا من ذكر أنه سمع منه، ورواياته قليلة، وكذلك أخباره.
وقد مات جده في زمن ابن الزبير، وروى له مسلم عن أبي هريرة، وقد مات قبل ولايته. فليحرر.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وسلم تسليما، أما بعد.
فالأصل في فضل العمرة في رمضان ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار: ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه -لزوجها وابنها-، وترك ناضحا ننضح عليه، قال: فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان حجة».
وقد جاء نحوه في أحاديث أخر.
وقد ادعى بعضهم أن هذه الفضيلة خاصة بهذه المرأة، وأيد ذلك بأمور سأذكر أهمها ثم أجيب عنه مختصرا.
1- دعوى أنه خاص بها.
فيقال: دعوى الخصوص تحتاج إلى دليل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وليس في الحديث ما يشعر به، بل فيه ما يدل على العموم، فقوله: «فإن عمرة في رمضان تعدل حجة» تعليل لتخصيص «رمضان» لحصول الفضيلة.
2- أن النبي ﷺ إنما ذكره لهذه المرأة ولم يبتدأ ذلك للناس.
فيقال: كون هذه الفصيلة ذكرت عند هذه الحادثة؛ لا يؤثر؛ فهو كغيره من الشرائع التي قدر الله ظهورها أوتشريعها بمثل هذه الأسباب والحوادث.
وقد بادرها النبي ﷺ بهذه الفضيلة مع أنها لم تطلب بديلا لما فاتها من الحج.
3- مما يدل على الخصوصية لها: أنه لم ينقل أن الصحابة كانوا يعتمرون في رمضان.
فيقال: ما ذكر أن الصحابة لا يفعلونه فيه نظر، فالصحابة كثيرون، والذي ينقل غالبا هو فعل علمائهم، ينقله تلاميذهم من صغار الصحابة والتابعين، وأما بقية الصحابة فلم ينقل أكثر ما فعلوه، وقد لا يكون كثير منهم علم بهذا الفضل، ومن علمه قد لا تيسر له الاعتمار في رمضان، فكم من فضيلة يتركها الفاضل لكونها شاقة عليه، أو لم تتيسر له، أو لانشغاله بغيرها مما يراه أنفع له أو أكثر ملاءمة لحاله، كما كان ابن مسعود يترك نفل الصيام لأجل القرآن.(١)
وينبغي أن يستحضر هنا أن العمرة في زمانهم ليست كزماننا؛ بل هي مختلفة تماما، فتحتاج لصحبة، ومعرفة الطريق، وكان لها مشقة كبيرة، فالسفر طويل ذهابا وعودة، قد يستغرق أكثر من نصف شهر رمضان لمن كان منهم في المدينة، أما من كان في العراق والشام ومصر، فالأمر أعظم بكثير.
فالعمرة في رمضان سيترتب عليها أن يذهب عليهم الشهر أو أكثره وهم في حال سفر، أو أن يبقى في مكة زمنا طويلا، وسيترتب على هذا مشاق كثيرة وفوات مصالح كثيرة.
4- أن النبي ﷺ ما اعتمر في رمضان، بل كل عمره في ذي القعدة.
فيقال: قد لا يكون ﷺ علم بهذه الفضيلة إلا بعد حجه، ثم مات ﷺ في ربيع الأول، أو يكون تركها لانشغاله بما هو أهم منها، أو لم تتيسر له.
وعمرة ذي القعدة فاضلة لكونها موافقة لفعله ﷺ، لكن عمرة رمضان رتب لها فضل خاص، وهو أنها تعدل حجة، وما كان له فضل خاص لا يعارض فضله بمجرد فعل النبي ﷺ لغيره.
ومثله ما في الصحيحين أنه ﷺ قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما ويفطر يوما.
ولم يكن ﷺ يفعل ما في الحديث بهذا الترتيب، لكونه لم يتيسر له.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(١) روى ابن أبي شيبة والفاكهي -واللفظ له- وغيرهم من طرق عن ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر عن عبد اللَّه بن السائب بن أبي السائب قال: «إني لأقوم بالناس في شهر رمضان إذ دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه معتمرًا، فسمعت تكبيره، وأنا أؤم الناس، فدخل فصلى بصلاتي -يعني خلف المقام-».
وإسناده صحيح؛ إن كان محمد سمع من جده عبدالله، فقد روى عنه بواسطة في مسلم، ولم أجد له تصريحا بالسماع ولا من ذكر أنه سمع منه، ورواياته قليلة، وكذلك أخباره.
وقد مات جده في زمن ابن الزبير، وروى له مسلم عن أبي هريرة، وقد مات قبل ولايته. فليحرر.
أقبل شهر الخير والرضوان والثواب والرحمة.
وهذه بعض فضائله وما أكرمنا الله به..
▫️قال النبي ﷺ: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه».
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لهما: «ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك».
وفي رواية لهما: «والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفُث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم».
يرفث: يقول فحشا.
يصخب: يخاصم ويصيح.
وفي رواية: «الصوم جُنَّة من النار»،
وفي رواية «الصوم جنة ما لم يخرقها».
قال الدارمي -يعني- بالغيبة، وبوب عليه: «باب الصائم يغتاب؛ فيخرق صومه».
وذكره أبو داود في باب: «الغيبة للصائم».
▫️وقال النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
متفق عليه.
▫️وقال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
متفق عليه.
▫️وقال النبي ﷺ: «من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلة».
صححه جماعة من أهل العلم.
▫️وقال النبي ﷺ: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».
متفق عليه.
▫️فلنفتح صفحة جديدة بقلوب مقبلة تائبة راجية للعفو، فهذا شهر رمضان شهر البر والخير والرحمة والمغفرة؛ فيحسن بالمسلم أن يخلو بنفسه دقائق يخطط فيها لاستثمار هذا الموسم أكمل استثمار.
فمن عظيم منة الله علينا أن بقينا إلى رمضان؛ فالموفق من تكون صحيفته عامرة بصنوف الخير: صلاة، صيام، قيام، صدقة، قراءة، ذكر، صلة، عمرة، أمر بالمعروف..
فمباركم عليكم إدراك شهر الخيرات والفضائل، وفقنا الله لاغتنامه والمسابقة فيه بأنواع الطاعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وهذه بعض فضائله وما أكرمنا الله به..
▫️قال النبي ﷺ: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه».
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لهما: «ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك».
وفي رواية لهما: «والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفُث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم».
يرفث: يقول فحشا.
يصخب: يخاصم ويصيح.
وفي رواية: «الصوم جُنَّة من النار»،
وفي رواية «الصوم جنة ما لم يخرقها».
قال الدارمي -يعني- بالغيبة، وبوب عليه: «باب الصائم يغتاب؛ فيخرق صومه».
وذكره أبو داود في باب: «الغيبة للصائم».
▫️وقال النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
متفق عليه.
▫️وقال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
متفق عليه.
▫️وقال النبي ﷺ: «من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلة».
صححه جماعة من أهل العلم.
▫️وقال النبي ﷺ: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».
متفق عليه.
▫️فلنفتح صفحة جديدة بقلوب مقبلة تائبة راجية للعفو، فهذا شهر رمضان شهر البر والخير والرحمة والمغفرة؛ فيحسن بالمسلم أن يخلو بنفسه دقائق يخطط فيها لاستثمار هذا الموسم أكمل استثمار.
فمن عظيم منة الله علينا أن بقينا إلى رمضان؛ فالموفق من تكون صحيفته عامرة بصنوف الخير: صلاة، صيام، قيام، صدقة، قراءة، ذكر، صلة، عمرة، أمر بالمعروف..
فمباركم عليكم إدراك شهر الخيرات والفضائل، وفقنا الله لاغتنامه والمسابقة فيه بأنواع الطاعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
رمضان كريم
وصف رمضان بأنه كريم صواب، فـ(كريم) يوصف به ما كان ذا قيمة وشرف ومكانة.
ورمضان كذلك قطعا.
ومنه قوله تعالى: {رب العرشِ الكريمِ}
{كتاب كريم}، {ورزق كريم}، {من كل زوج كريم}، {ومقام كريم}، وغيرها.
ومن أنكر قول (رمضان كريم)، وقال: يوصف رمضان بأنه مبارك، عظيم، وشريف.. ونحوها.
كأنه تلك الساعة -والله أعلم- استحضر من معنى (كريم) ضد (بخيل)، وغاب المعنى الآخر، وإن كان لا يجهله.
وصف رمضان بأنه كريم صواب، فـ(كريم) يوصف به ما كان ذا قيمة وشرف ومكانة.
ورمضان كذلك قطعا.
ومنه قوله تعالى: {رب العرشِ الكريمِ}
{كتاب كريم}، {ورزق كريم}، {من كل زوج كريم}، {ومقام كريم}، وغيرها.
ومن أنكر قول (رمضان كريم)، وقال: يوصف رمضان بأنه مبارك، عظيم، وشريف.. ونحوها.
كأنه تلك الساعة -والله أعلم- استحضر من معنى (كريم) ضد (بخيل)، وغاب المعنى الآخر، وإن كان لا يجهله.
قال ابن القيم: «وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلَّة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين».
ثم ذكر الخلاف والحجج ثم ختم الكلام بقوله:
«والصواب في المسألة أن يقال: إنَّ ثواب قراءة الترتيل والتدبُّر أجلُّ وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا.
فالأول: كمن تصدَّق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمتُه نفيسةٌ جدًّا.
والثاني: كمن تصدَّق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددا من العبيد قيمتُهم رخيصة».
«زاد المعاد» ٤٠٢/١.
وفي كل خير عظيم وأجر جزيل، وهذا شهره، والموفق من هدي للانتفاع به.
ثم ذكر الخلاف والحجج ثم ختم الكلام بقوله:
«والصواب في المسألة أن يقال: إنَّ ثواب قراءة الترتيل والتدبُّر أجلُّ وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا.
فالأول: كمن تصدَّق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمتُه نفيسةٌ جدًّا.
والثاني: كمن تصدَّق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددا من العبيد قيمتُهم رخيصة».
«زاد المعاد» ٤٠٢/١.
وفي كل خير عظيم وأجر جزيل، وهذا شهره، والموفق من هدي للانتفاع به.