tgoop.com/ALGSALAF/20457
Last Update:
والمعلومُ كذلك أنَّه ينبغِي لمَنْ يُوجِّه له النَّصيحةَ أَنْ يُزيلَ عنه جميعَ الشُّبُهاتِ الَّتي ترتبِطُ به، على ما سَبَقَ بيانُه مِنْ شروطِ إقامةِ الحجَّةِ في فتوَى سابقةٍ(٢)، لأنَّ المُسلمَ قد يَتَّخِذُ موقفًا مِنْ خلالِ مذهبِه ورُؤيتِه، وقد تكون له عِدَّةُ شُبُهاتٍ أُزِيلَتْ بعضُها وبَقِيَتِ الأخرى عالقةً، فلا يُقالُ: إنَّه أُقيمَتِ الحُجَّةُ عليه، وإنَّما تُقامُ الحجَّةُ عند إزالةِ كُلِّ الشُّبُهاتِ ومُتعلِّقاتِها الَّتي مِنْ شأنِها أَنْ تتركَه متردِّدًا حائرًا؛ فإِنْ أُزيلَتِ الشُّبُهاتُ عنه وانكشفَ له الحقُّ فعليه الرُّجوعُ إليه والتَّمسُّكُ به صدقًا وعدلًا مِنْ غيرِ مُراوَغةٍ ولا خصومةٍ، بل عليه ـ أيضًا ـ أَنْ يشكُرَ إخوانَه الَّذِين أَمَدُّوه بالحجَّةِ وساعدوه على اتِّباعِ الصِّراطِ المستقيم، وإبعادِه عن مَزالِقِ الخطإِ، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللهَ»(٣)، وهذا نوعٌ مِنَ التَّعاونِ يدخلُ ـ بلا شكٍّ ـ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ﴾ [المائدة: ٢]، والمسلمُ مرآةُ أخيه، فيُبيِّنُ له بلُطفٍ ولِينٍ ما قد لا يراه رؤيةً سليمةً، ولأنَّ «كُلّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْر الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»(٤)؛ وهؤلاءِ الَّذين حَرَصوا على إسداءِ النَّصيحةِ والبيانِ لِإمامِهم لهم بل عليهم ـ إذا تَحقَّقوا مِنْ خطئه في بعض المسائل ـ أَنْ يطالبوه بالرُّجوعِ عن مُعتقَدِه أو مَذهَبِه أو موقِفه، فإنَّ مِنْ مُقتضَى كمالِ الإيمانِ أَنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيهِ ما يُحِبُّ لنفسِه، ويَكرَهَ له ما يَكرَهُ لها، وخاصَّةً لِمَنْ ثبتَتْ عدالتُه واستِقامتُه، وكانت سِيرتُه طيِّبةً وأخلاقُه حسنةً، وله دفاعٌ عن الحقِّ، فعلى المُنتقِدِ أَنْ يجتهدَ في إيجادِ تفسيرٍ متوافقٍ مع حُسنِ سلوكِ المُنتَقَدِ بحيثُ إذا كانت المسألةُ حمَّالةً لِمَعانٍ كثيرةٍ فيحملُه على المعنى اللَّائقِ بسِيرتِه، مُبعِدًا عنه التُّهمةَ، مُجتنِبًا سُوءَ الظَّنِّ، فلا يتعجَّلُ المُنتقِدُ في حُكمِه، بل يتأنَّى ويصبرُ عليه لعلَّه يستفيقُ مِنْ غفلتِه ويستدركُ حالَه، فلا يُعقَلُ أَنْ يُقصَى مَنْ أعطى خِيرةَ أيَّامِه لطلبِ العلم، وأفنَى جُلَّ وقتِه في التَّحصيلِ ثمَّ في الدَّعوةِ والتَّعليمِ بسببِ خطإٍ أو أخطاءٍ لا تَستحِقُّ الإقصاءَ، ولا تصِلُ إلى الإسقاطِ.
علمًا أنِّي قد بيَّنْتُ في فتوَى سابقةٍ كيفيَّةَ التَّعاملِ مع المُخالِفِ الَّذي نَصَبَ للنَّاسِ العداءَ واستعلى بنفسِه واستبدَّ برأيهِ ووَقَف موقفَ كِبْرٍ، يرُدُّ الحقَّ ويحتقِرُ النَّاسَ ويتجاهلُهم، ويتَّخِذُ لنفسِه أنصارًا مِنَ المُبطِلِين، يتجاسرُ بهم على المُحِقِّين، فلْتُراجَعْ(٥).
هذا، وينبغي على المُنتقِدِ أَنْ تكونَ له خِبرةٌ بمدلولاتِ الألفاظِ والتَّقاسيم واختلافِ معانيها، ولا سِيَّما الألفاظ العرفيَّة الَّتي تختلفُ باختلافِ أعرافِ النَّاسِ والأزمِنةِ، كما أنَّ على المُنتقِد أَنْ يتفقَّدَ مُستواهُ في العلمِ بالأحكامِ الشَّرعيَّة، فرُبَّ جاهلٍ ظنَّ الحقَّ باطلًا فجرَّح به، والصَّوابَ خطأً فانْتَقدَ غيرَه عليه، ولأنَّ المُخالِفَ قد يتسرَّعُ في التَّلفُّظ ببعضِ الألفاظِ الَّتي لا ينبغي أَنْ تصدُر مِنْ إمامٍ برُتبتِه العلميَّة، ولَربَّما قصُرَ عِلمُ المُخالفِ عن إدراكِ مَناطِ الخلافِ في المسائلِ المُثارةِ على السَّاحةِ العلميَّةِ فجانَبَ الصَّوابَ في الجوابِ، فأَلحقَ مَنْ ظهَرَ خطؤُه جليًّا بمَنْ يُتَّهَم بهتانًا بالخطإِ والشُّذوذِ والتَّغيُّرِ في عقيدتِه ومنهجِه، فليسَ يصحُّ مِنَ المُنتقِدِ الَّذي يتفقَّد حالَه في العلمِ بالأحكامِ الشَّرعيَّة أَنْ يضعَ مدلولاتِ الألفاظِ في غير وجهِها، أو أَنْ يعالِجَ التَّسرُّعَ في الحكمِ بتسرُّعٍ مِثلِه في الجرحِ أو أفحَشَ منه، لأنَّ «الضَّررَ لا يزالُ بمِثلِه».
هذا، وإنَّ الإخلالَ بمِثلِ هذه الضَّوابطِ يؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى الشِّقاقِ والانقسامِ والتَّطاحُنِ والتَّراشُقِ بالألفاظِ والعباراتِ الجارحة، الأمرُ الَّذي يُفضي إلى ذهابِ ريحِ أبناءِ المنهجِ الواحدِ فتسقط هيبتُهم، ويصيرُ كيدُهم وبأسُهم بينهم شديدًا، لأنَّ أمورَ الدَّعوةِ والتَّعليمِ وغيرِهما تُبنى على جلبِ المصالحِ ودرءِ المفاسدِ تحقيقًا أو دفعًا أو إزالةً، فليسَ كُلُّ ما يُعرَفُ يقالُ، وليسَ كُلُّ ما يُقال يُنشَر، والمُوفَّقُ مَنْ يستعمِلُ الحكمةَ لعلاجِ السَّقيمِ وتضميدِ جراحِه بلا تقريعٍ ولا تهويلٍ، لأنَّ هناك مَقاصِدَ وأبعادًا وآمالاً تُراعى، ومِنْ جُملتِها: تركُ بعضِ الكلامِ في عِرضِ المُخالِفِ المُتأوِّلِ أو المعذورِ غيرِ المُعانِدِ، وتركُ الشِّدَّةِ عليه للحاجةِ تألُّفًا له ورِفقًا به، فلعلَّ المُخطِئَ يَستفيقُ ويَرجِعُ مع مرورِ الأيَّامِ وتوالي الأوقاتِ، الَّتي مِنْ شأنِها أَنْ تُسهِمَ في ذهابِ الموانعِ الَّتي منَعَتْه مِنْ رؤيةِ
BY مَشَايخُ الدَّعْوةِ السَلَفِيةِ بِالْجَزَائِرِ
Share with your friend now:
tgoop.com/ALGSALAF/20457