tgoop.com/Na8ed_imami/1291
Last Update:
● فن ضرب الأمثلة: فوائد وعقبات ●
من الصفات التي خلقها الله -تعالى- في طبيعة الإنسان أن جعل ذهنه يأنس بالأمثلة والتشبيهات والمصاديق والجزئيات في استيعاب الأفكار والقواعد والكليّات.
ولا أظن أن تقوم للعلوم النظرية والآلية والرياضية والقانونية قائمة بلا أمثلة افتراضية وتطبيقات وإسقاطات على الواقع تعين الطالب على فهم الأصول الرئيسة والقواعد الكبرى واستيعابها بدقة.
فالمثال -الدقيق- هو صديقك الوفي الذكي الذي تفهم منه ما لا تفهمه من شرح الأستاذ.
المثال هو الذي يُنزل القواعد والتنظيرات والكليّات من بروجها العاجية إلى أرضك وعُرفك ومحسوسك ومأنوسك، ولا يطالبك على ذلك بأجر ولا يمنّ عليك بعلم.
وهاهنا فوائد وتعليقات حول فن ضرب الأمثلة وبعض عقباته وسوء تعامل الناس معه:
١. ذهن الإنسان قادر على استخراج القواعد من الأمثلة (الاستقراء) [= هذا الدواء يعالج الحمّى، لأننا جربناه على زيد وعمرو وخالد وقد شُفوا من الحمى].
وقادر أيضًا على تطبيق الأمثلة من فهم معاني مفردات القواعد (القياس المنطقي) [= أدركت بالبرهان أن الجسم لابد له من مُحدِثٍ أحدَثه لا من شيء، إذن القمر مفتقر إلى محدث أحدثه لا من شيء].
٢. أهمية تحديد الجهة المقصودة الأساسية من المثال لتجنّب مفسدي الأمثلة.
تحديد الجهة المقصودة في المثال يجنّبك إشكالية اختراع محاورك فوارق غير مؤثرة لكي يفسد عليك مثالك، أو أن يحتج عليك أحدهم بأن هذه مغالطة التشبيه الزائف False Analogy.
فلابد أنك جرّبت التعب والارهاق يوما ما بسبب تدقيق محاورك في تفاصيل غير مهمة في مثالك، ويحاول إيجاد أدنى فرق بين المتماثلات! فقط لكي يقول لك أن مثالك غير دقيق وغير مسلّم ولا ينطبق على القاعدة المسلّمة بيننا -ضمنا أو تصريحا-، وأنت تحاول جاهدا أن تبين له أن هذه التفاصيل والفوارق التي يحاول إبرازها غير مهمة ووجودها وعدمها لا يغيّر من النتيجة والحكم.
وأفضل طريقة لتجنّب مثل هذه الاعتراضات أن تحرص على أمرين:
أ. أن تحاول ضرب مثال يخلو من الجهات التي يتمسك بها خصمك لإفساد المثال وجعله غير متطابق مع القاعدة، فكلما تمسّك خصمك بتفصيل أو فارق غير مهم ليفسد استدلالك، ضربت له مثالا آخر يخلو من الجهة التي تمسّك بها سابقا.
ب. أن تحدد الجهة الأساسية المقصودة من مثالك والتي تطابق لب القاعدة، قبل ضرب المثال أو أثناءه أو بعده مباشرة بما لا يعطي لخصمك مجالا للاستدراك عليك.
قبل سنوات كتب أحدهم تغريدة قال فيها أن العري والتبرّج والتزيّن أمور تشدد الدواعي عند بعض الرجال للتحرّش الجنسي.
فردّت عليه بعض النسويات معدومات الفطنة بأن هذا الكلام تبرير للمتحرشين، وأن هذا لوم للضحية بدلا من لوم الجاني!
فأُجيب عليهن بأن هذا ليس تبريرًا وشرعنة لفعل للجاني المتحرش الدنيء، إنما بيان لمشدّدات دواعي التحرّش التي تؤثر على بعض الرجال غير المنضبطين فيستسهلون هذه التصرفات.
فمثّل لهن بأن ترك السيارات مفتوحة ومهملة يشدد دواعي سرقتها، وهذا ليس تبريرا للسرّاق إنما بيان أن هذا الاهمال يشدد دواعي السرّاق للسرقة.
فقالت بعضهن ردًا عليه: نحن لسنا سيارات وجمادات وسلعا لكي تضرب لنا هذا المثال!
وما أكثر هذه الاعتراضات على الأمثلة بما ينبئ عن بلادة وغباء صاحبها.
٣. أهمية إكثار الأمثلة وتنويعها لكي يلحظ الطالب الجهة المشتركة المقصودة في المثال.
إكثار الأمثلة وتنويعها يجعل المتلقي يركز على الجهة المشتركة الأساسية المقصودة من المثال، فيهمل المتغيرات غير المؤثرة في المثال.
فعندما تضرب مثالا على القسمة الاستقرائية، تضرب مثالا في النحو (تقسيم الكلمة إلى فعل واسم وحرف)، وفي التفسير (تقسيم السور إلى مكية ومدنية) وفي العرف (تقسيم أهل بلدة إلى عائلة فلان وعائلة فلان) وهكذا.
٤. التدريب على اختراع وإيجاد الأمثلة بنفسك.
ومفتاحها:
أ. فهم مفاد القاعدة بدقة.
ب. فهم غرضها وجدواها، وما الذي تريد ضبطه؟ ما الذي تريد هذه القاعدة تنبيهي عليه؟.
ج. التأمل في موارد انطباقها الخارجي، وتغيير معطيات المواقف مع الحفاظ على لب القاعدة، ومن المفيد: استذكار المواقف الشخصية التي مرّت بك أو بغيرك بما يطابق القاعدة.
٥. الأمثلة الخاطئة دليلك إلى الجهل المركب.
مع كل ماذكرناه من مديح للأمثلة وأهميتها، فإنه يجب التنبيه على أن ليس كل مثال مذكور في الكتب والدروس والشروح والنقاشات مثال صحيح ويطابق القاعدة، وهذا خطأ قد يقع حتى للمتخصصين في بعض كتبهم التعليمية ونقاشاتهم.
ومشكلة الأمثلة الخاطئة أنها تؤثر على تصورات كبرى عند الإنسان لمسائل وقواعد ونظريات مهمة، وربما اعتمد عليها إنسان لتحديد موقفه من أمر ما، وقد يعيش هذا التصور الخاطئ في ذهن الإنسان لسنوات وسنوات!
وإدراك خطأ الأمثلة يُعرف بالتدقيق في مفاد القواعد في ذاتها، وتعريف ألفاظها، وملاحظة استعمالاتها المتنوعة في مختلف الموارد، وعدم الاقتصار على مثال واحد لفهم القاعدة، والرجوع إلى كلمات مؤسسي القاعدة إن كان ثم.
يتبع .. (١/٢)
BY • الناقد الإمامي •
Share with your friend now:
tgoop.com/Na8ed_imami/1291