tgoop.com/OurPluto/707
Last Update:
عقيدة المحبة وزواج الحب
«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
— غلبرت كيث تشيسترتون
«الحب هو أهم ما في الحياة» هذه العبارة المبتذلة ومثيلاتها التي نجدها أينما اِلتفتنا تقريباً، تعبر عن ذلك التقديس الأعمى للحب في هذا العصر، وفي كثيرٍ من الأحيان على حساب المبادئ والدين والأعراف، بل وحتى على حساب الأطفال. هذا التقديس لم يظهر لدى المعاصرين نتيجة انتصار مفاجئ لعقيدة الحب في حد ذاتها بقدر ما هو جزء من انتصار للعقيدة المسيحية وخضوع العالم للمبادئ الغربية التي قد تبدو معادية للدين أحياناً من حيث الظاهر، لكنها في العمق مشبعة حد التخمة بالتراث الكنسي الذي ظل كما هو في الوجدان الغربي ولم يتغير منه شيء إذا ما استثنينا جانب الغيبيات.
حتى الاحتفال السنوي بعيد «الحب» الذي إنتشر في العالم كله هو في النهاية احتفال بـ «قديس». احذف من الخطاب الوعظي لأي قس عادي ألفاظ «الرب، الابن، روح القدس، العذراء» ولن تجد فيه تقريباً أي اختلاف جوهري عن خطاب «المحبة» لدى الوعاظ الجدد مثل ذلك الهيبيز الذي يقول وفي يده سيجارة ماريجوانا «مارسوا الحب لا الحرب» أو تلك المراهقة ذات 30 ربيعاً التي تكتب «علموا أبناءكم الحب» أو ذلك الملتحي صاحب العمامة الذي قال «يكون الدين محبة.. عندما تكون المحبة ديناً» (علي الجفري).
«أحبب وافعل ما تشاء»
― القديس أوغسطين
المسيحية كدين ظهر في البداية كدعوة لليهود، ولكنه لم يأتي بجديد يضيفه للشرائع التوراتية التي كانت تحكم حياة اليهود. هذا النقص في الخطاب الديني لدى المسيحية عوضته بخطاب تبشيري يرتكز على الخلاص من خلال المسيح، وعلى فكرة «المحبة». حاولت المسيحية من خلال ذلك تمييز نفسها عن اليهودية. والنتيجة؛ أصبحت المحبة هي أسمى مبدأ وقيمة أخلاقية قد يصل إليها المسيحي بدون منافس. هذه الفكرة المثالية من أقوى العوامل التي شكلت وعي "الفرد" الغربي الذي نعرفه اليوم، ومن هنا ذلك التصور المعاصر لدى البعض عن الدين الذي يجعل غاية وجوده هو نشر المحبة، وبالنسبة لآخرين مشكلتهم معه أنه ليس كذلك، لأنه لا يدعو لحب الجميع بدون تمييز.
«عندما يُطلب منك أن تحب الجميع دون تمييز، أي أن تحب الناس دون أي معيار، وأن تحبهم بغض النظر عما إذا كان لديهم أي قيمة أو فضيلة، فإنه يُطلب منك ألا تحب أحدًا.»
― آين راند
إذن بالنسبة للغربي المعاصر ومن تأثر به، المحبة هي الحل السحري والمفتاح لكل شيء، المحبة هي الجواب المعلب لكل شيء. لديك مشكلة مع تربية الأطفال؟ ما عليك سوى إغراقهم بالحب فهو كل ما يحتاجونه. تعتقد أنك غير سعيد في حياتك؟ إذن ينقصك بعضٌ من الحب في حياتك. تجد صعوبة في تسويق أفكارك؟ ما عليك سوى تضمينها عبارات عن المحبة وسيتقبلها الجميع.
وفي المقابل أصبحت الكراهية هي الأخرى بالمطلق، أعظم إثم قد يرتكبه إنسان، و يعلق عليها كل الأوزار والأثام في العالم. عليك أن تحب كل الناس مهما كانوا، وإلا ستعتبر مهرطقاً وصاحب خطاب كراهية مقيت تجب محاربته، وقد تقع تحت طائلة قانون العقوبات الذي لا يتسامح مع من ينشر «الكراهية». لم يعرف البشر أبداً عبر التاريخ قبل هذا العصر جريمة اسمها «نشر الكراهية» ولك أن تتخيل كيف يمكن استعمال هكذا قوانين في كل المناسبات والحالات (غالبا لصالح الأقليات فقط). عقيدة شمولية مثل كل العقائد المثالية، وتناقض كلياً الفطرة البشرية وتجعلهم مازوخيين... لا تنسى أن المسيح يقول «أحبوا أعدائكم».
«أغلبية الناس ما كانت لتقع أبداً في الحب، لو لم تسمع عنه من قبل»
― جان دي لا برويير (أديب فرنسي)
عقيدة الحب؛ هي بلا شك أقوى ضربة تلقتها مؤسسة الزواج والأسرة إلى جانب «الثورة الجنسية»، وجعلتها تحيد عن دورها الرئيسي. زواج الحب جعل مركز الثقل في الأسرة يتحول من الأطفال إلى الزوجين، و بالتالي تقديس العلاقة الزوجية بدل العلاقة الأبوية والأسرية، و بالتالي تغليب مصلحة الزوجين (في أغلب الأحيان أحدهما فقط) على مصلحة الأطفال والأسرة ككل. الأمر الذي جعل قرار الطلاق في أيامنا يتخذ بسهولة، وكأنه إجراء روتيني عادي، و يحدث لأتفه الأسباب، قد يكون مجرد نسيان تاريخ عيد الميلاد أو عيد الزواج أو حتى مجرد تعليق في غير محله سبباً كافياً لإنهاء زواج. هذا النوع من الزواج العاطفي وبخلاف ما قد يخطر على بال البعض، كان في الحقيقة أول من شجعه هو الكنيسة ضد الزواج التقليدي والأرستوقراطي الذي كان هو إلى وقت قريب، القاعدة العامة لدى البشر ويميزه عن زواج الحب كونه رابطة بين عائلتين أكثر من كونه علاقة بين فردين حتى لو جمعهما علاقة حب.
«الإنسان الحديث لا يحبّ، بل ينشد ملاذاً في الحبّ. إنّه لا يأمل، بل يطلب ملجأً في الأمل. وهو لا يؤمن، بل يبحث عن مأوىً في عقيدة».
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
BY 𝗣𝗹𝘂𝘁𝗼.
❌Photos not found?❌Click here to update cache.
Share with your friend now:
tgoop.com/OurPluto/707