tgoop.com/aldomiji/835
Last Update:
ولذلك فلا غرو أن نجد النبي صلى الله عليه وسلم يعطي القرآن في رمضان مزيد اهتمام وعناية واستحضار. فنبيّنا صلى الله عليه وسلم مع أنه قد ضمن الله تعالى له حفظ كتابه في صدره فقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} أي: سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئًا.
وقال عز وجل:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}[المزمل:16-17]. مع هذه الضمانات والوعد القاطع من الله تعالى إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) وفي الرواية الأخرى: (لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان، حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة).
وفي آخر عام -كما قالت فاطمة رضي الله تعالى عنها-: (عارضه به في العام مرتين، ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهلي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت لذلك).
فظاهر الأحاديث أن هذه المدارسة في كل رمضان منذ نزول القرآن، وأن كلّا منهما يعرض على الآخر، ويتدارسانه عليهما السلام. فما أعظمه من لقاء، يلتقي فيه العظيمان، عظيم الملائكة وعظيم الأنبياء والرسل عليهم السلام لمدارسة أعظم الكتب نزولًا إلى أهل الأرض.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبّ أن يسمعه من غيره وقال لابن مسعود رضي الله عنه:((اقرأ علي)) قلت: آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: ((فإني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] قال: «أمسك» فإذا عيناه تذرفان. وعند مسلم: (فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل).
فحريّ بالمسلم أن يقتديَ بنبيّه صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بكتاب ربه وخاصة في شهر القرآن، وهو أحوج ما يكون إلى مراجعته ودراسته، وتدبّره وتفهّمه وتثبّت حفظه، والتّقرب إلى الله تعالى بكل حرف يتلوه أو يتعلمه أو يعلمه غيره ويستمع إليه من غيره.
كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)).
كما حثّ صلى الله عليه وسلم على مدارسته، وعمارة بيوت الله تعالى به تلاوةً ومدارسةً فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)).
وأمر صلى الله عليه وسلم بتعاهده وقال: ((تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها)).
وقد كان هدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى الاشتغال بالقرآن في شهر القرآن لا يشغلهم عنه شاغل في أثناء الصيام وأثناء القيام وفي كل الأحوال، يسمعونه ويستمعون إليه ويتدارسونه ويعلمونه ويتلونه حق تلاوته. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله).
نعم؛ قد علم سلفنا الصالح أن وظيفة رمضان الكبرى هي الاعتناء بالقرآن، والقيام بالقرآن والصيام لما له من أثر في تخليه الذهن للقرآن، سئل الزهري رحمه الله تعالى عن العمل في رمضان فقال: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام" وقال عبد الرزاق: "كان الثوريُّ إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على تلاوة القرآن". وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أنه إذا دخل رمضانُ، يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن، من المصحف.
ولذلك كان للسلف وصالحي الخلف عناية فائقة في الإكثار من ختمات القرآن، حقّ بلغ ببعضهم أنه يختم في اليوم والليلة بختمة أو ختمتين، وقد رخّص بعض العلماء في أن يختم القرآن في أقل من ثلاث لخصوصية هذا الشهر بالقرآن.
فعلينا استثمار هذا الموسم العظيم وفي كل الأوقات بما يطهّر الله به قلوبنا ويمحو ذنوبنا ويزيد إيماننا، ويرفع درجاتنا، فحياة القلوب إنما هي بالصيام والقيام في الليل بالقرآن.
وعلينا أن نحمد الله على ما خصّنا به من النعم التي لا تحصى، فكثير من إخواننا المسلمين يحفظون القرآن ويضبطون تلاوته أكثر من العرب لكنهم لا يفقهون معانيه لأنهم لايعرفون العربية؛ فيلجؤون إلى كتب الترجمات وليست كحال تذوّق وتدبر وفهم المعاني مباشرة من الألفاظ العربية.
فالحمد لله كما ينبغي لجلالك وعظيم سلطانك، والشكر على جميل إحسانه.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين.
BY قَنَاة أ. د. عبدُالّلهِ بنُ عُمرَ الدُّمَيْجِي
Share with your friend now:
tgoop.com/aldomiji/835