tgoop.com/yasirhamid/229
Last Update:
شجاعة العربية وشجاعة حراسها
رأيت مقالًا للدكتور عبد الله الغذامي عنوانه: (شجاعة اللغة العربية وجبن حراسها) ذكر فيه أن شجاعة العربية هو في "مهارتها في تصريف الكلام وتحويله بين أساليب تعبيرية لا تقف عند حد"، وقال: "وهذا هو سر العربية، ومتى سلبنا عنها سرها فستفقد شجاعتها"، وذكر أن ما سلبها شجاعتها هم حراس اللغة ممن سماهم: أنصاف النحويين، وأنصاف اللغويين، الذين ابتكروا قاعدة: (قل ولا تقل).. وبذلك تحبس اللغة في "ثلاجات الموتى". إلخ.
ولي مع ما ذكره الدكتور وقفات:
١- اللغة العربية -بل اللغات الإنسانية عمومًا- نظامٌ، فإذا قبلتَ كل تغيير وصححت كل مخالفةٍ انتقضت عرى اللغة وفقدت اللغة أهم مقوِّماتها، وحينئذٍ فستموت اللغةُ وقد أردتَ حياتَها !
٢- مارس الدكتور في مقاله مغالطة (رجل القش)، وفكرته تقديم حججٍ واهيةٍ للخصم ليسهل تفنيدها، كحال من اصطنع رجلاً مِن قَشٍّ ثم قارعه بسيفه! وهكذا فعل الدكتور فإنه أتى بحجةٍ واهيةٍ، بل لم يذكرها عالمٌ معتبر، ثم بنى عليها مقاله، وهي قوله: (فيشترطوا لصحة أي تعبير أن يكون قد قيل قبلنا بلسان شخص ما، وشرطه وتأهيله الوحيد أن يكون قد مات قبلنا بقرون)، فهذا لا قائل به، ولم يشترط أحدٌ هذا الشرط، وما زال الكتّاب والشعراء مذ كانوا يكتبون ويبدعون من غير أن يُحجِّر عليهم أحد. هذا المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس وقد جاء بعد عصور الاحتجاج، ولم يشترط أحدٌ أن يكون قد قلَّد من سبق في كل ما قال، وإنما اشترطوا أن لا يخالف اللغة، وفرق بين الأمرين.
٣- من الطريف أن عنوان المقال يرد عليه؛ فإن هذا الوصف (شجاعة العربية) نقله الدكتور عن ابن جني، وقد أراد به ابن جني ظواهرَ ثابتةً في اللغة كالحذف والتقديم والتأخير.. وسماها شجاعةً لما فيها من العدول عن الأصل، كحال الشجاع في حومة الوغى من الكر والفر والإقدام والإحجام.. ويريد بها أيضًا الضرورات التي يرتكبها الشاعر، فمثله في ذلك "مثل وارد الحرب الضروس حاسرًا بلا احتشام، فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه، فإنه مشهودٌ له بشجاعته وقوة مُنَّتِه..".
٤- خلط الدكتور بين الفصاحة عند النحاة واللغويين، والفصاحة عند البلاغيين، كما سوّى بين الغلط في المفردات والغلط في التراكيب، فجاء المقال مضطربًا.
٥- يقع الخلاف بين العلماء في صحةِ لفظةٍ أو صيغةٍ أو تركيبٍ، وربما وقع نزاعٌ في أكبر من ذلك كالتوسع في استعمال المجاز عند المصوِّبين.. أما رد هذا الباب كله فرأيٌ فائل لم يقل به أحد.
٦- ألّف في لحن العامة الكسائي وابن قتيبة وابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي وغيرهم، وليس هؤلاء بأنصاف نحاةٍ ولغويين ولا بنحاةٍ تعساء كما قال الدكتور، وبئس ما قال.
الحديث ذو شجون.. وأكتفي بهذا.
BY قناة د. ياسر المطيري
Share with your friend now:
tgoop.com/yasirhamid/229